أوضاعه فيها. إنما يسعى جاهدا إلى الخلاص منها دون أن يعلق بروحه شئ من الآثام. والمتاع ذاته هو من الآثام التى يحاول المتطهرون النجاة منها بالرهبنة واعتزال الحياة.
بل أكثر من ذلك: إن احتمال المشقة فى الحياة الدنيا، واحتمال ما يقع فيها من المظالم هو لون من التقرب إلى الله يساعد على الخلاص. ومن ثم دعت الكنيسة الفلاحين للرضا بالمظالم التى كانت تقع فى ظل الإقطاع وعدم الثورة عليها لينالوا رضوان الله فى الآخرة، وقالت لهم: " من خدم سيدين فى الحياة الدنيا خير ممن خدم سيدا واحدا "!
ومن جهة أخرى كان هذا الدين يحصر كيان الإنسان فى نطاق محدود محصور أشد الحصر، ليبرز جانب الألوهية فى أكمل صورة.
ألوهية الله فى ذلك الدين معناها السلبية الكاملة للإنسان، وحصر دوره – لا فى العبادة بمعناها الواسع، أى على النحو الذى قرره الإسلام، والذى يشمل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى – إنما فى الخضوع لقدر الله القائم، وعدم العمل على تغيير شئ من الواقع المحيط بالإنسان، لأن محاولة التغيير – ولو إلى الأحسن – تحمل فى طياتها " عدم الرضا " بالأمر الواقع، وهو لون من التمرد على إرادة الله لا يقره ذلك الدين.
ومن ثم فإن فاعلية الإنسان محصورة فى الطاعة للأوامر الإلهية – كما تعرضها الكنيسة بالحق أو الباطل – لا تتعداها إلى الإنشاء لأنه، ليس للإنسان أن ينشئ شيئا من عند نفسه، ولو كان يلتزم فى هذا الإنشاء بالهدى الربانى. ومن ثم كذلك كان ثبات الأوضاع فى أوروبا فى العصور الوسطى لفترة طويلة من الزمان بكل ما تحمل من ألوان الفساد السياسى والاقتصادى والاجتماعى والفكرى والروحى .. على أساس أنها قدر الله الذى لا يجوز للناس تغييره، إنما ينبغى الخضوع له والمحافظة عليه تقربا إلى الله!
? ... ? ... ?
هذا الدين بصورته تلك لم يكن هو الدين المنزل من عند الله، ولم يكن – كما أسلفنا – صالحا للحياة. كان لابد من نبذه والانسلاخ منه لكى تسير دفعة الحياة فى خطها الصحيح.
ولقد كان عرى مقربة من أوروبا – بل فى جزء من أرضها – دين آخر يقدم المنهج الصحيح للحياة، فلا هو دين أخروى بحت بمعنى إهمال الحياة الدنيا، ولا هو الدين الذى يفرض السلبية الكاملة على الإنسان، ويفرض عليه الخضوع " للأمر الواقع " وعدم التفكير فى تغييره.
إنه دين يعمل للآخرة من خلال العمل فى الدنيا " الدنيا مزرعة الآخرة ".
ويبين أن العمل للآخرة لا يعنى إهمال الحياة الدنيا ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [سورة القصص 28/ 77] ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأعراف 7/ 32]