فى مدن أوروبا النصرانية، ولكن فى المراكز الإسلامية: فى دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة ".
وتعلمت أوروبا كل العلم الذى وجدته عند المسلمين، كما أخذت كثيرا من الأصول الحضارية التى وجدتها عندهم " " ولكنها لأمر رفضت أن تأخذ الإسلام، رغم السماحة الهائلة التى لمسها المسيحيون من المسلمين فى الأندلس! وارتدت من جاهلية الدين الكنسى المحرف إلى جاهلية ما قبل ذلك الدين، الجاهلية الإغريقية الرومانية Greco-Roman لتنشئ على أساسها جاهلية جديدة متقدمة كل التقدم فى العلم والتكنولوجيا (على أساس العلم الذى أخذته من المسلمين، والمنهج التجريبى فى البحث العلمى الذى استمدته منهم) ومنتكسة أشد الانتكاس فيما عدا ذلك من جوانب الحياة ..
من الإغريق أخذت عبادة العقل وعبادة الجسد فى صورة جمال حسى.
ومن الرومان أخذت عبادة الجسد فى صورة متاع حسى، وتزيين الحياة الدنيا بكل وسائل العمارة المادية إلى أن يستغرق الإنسان فى المتاع وينسى " القيم " التى تكون الإنسان. كما أخذت شهوة التوسع الحربى واستعباد الأمم الضعيفة لحساب الدولة " الأم " فى صورة إمبراطوريات.
والمهم – بالنسبة لبحثنا الحاضر – أنها بدأت تنبذ الدين!
? ... ? ... ?
قامت النهضة على أسس معادية للدين من أول لحظة.
قامت على أصول " بشرية " بدلا من الأصول الدينية أو الإلهية كما كانت تصورها لهم الكنيسة.
كان الدين الذى قدمته لهم الكنيسة على أنه الدين الإلهى دينا أخرويا لا يقيم وزنا للحياة الدنيا، بل يحتقرها ويزدريها ويدعو إلى إهمالها وعدم الالتفات إليها فى سبيل الحصول على " الخلاص "، خلاص الروح، الذى لا يمكن الوصول إليه إلا بالتجرد من متاع الأرض، والاستعلاء على مطالب الجسد، والتطلع إلى ملكوت الرب الذى يتحقق فى الآخرة ولا سبيل إلى تحقيقه فى الحياة الدنيا. ومن ثم فإن " حركة التاريخ " ومحاولة تصحيحها بتصحيح حركة المجتمع كما يقول ولفرد كانتول سميث Wilfred Cantwell Simth فى كتاب " الإسلام فى التاريخ الحديث Islam in Modern History " لم تكن فى حساب الكنيسة المسيحية لا أيام ضعفها فى القرون الأولى ولا حين أصبح لها السلطان " " إنما يسعى كل إنسان إلى خلاصه الشخصى، كالذى يسير على معبر دقيق كل عمه ألا يفقد توازنه فيقع فى الهاوية، أو كالذى يسير فى الوحل كل همه أن يشمر ثيابه ويلتفت إلاى مواقع قدميه حتى لا ينزلق أو يتلطخ بالوحل، لا يهمه أن يصحح مواضع أقدم الآخرين أو يقيهم من الانزلاق.
ومن هنا فإن هذا الدين فى صورته الكنسية تلك لم يكن يسعى إلى تحسين أحوال البشر على الأرض، أو إزالة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تقع عليهم، وإنما يدعو إلى الزهد فى الحياة الدنيا برمتها، وترك كل شئ على ما هو عليه، لأن فترة الحياة الدنيا أقصر وأضأل وزنا من أن يحاول الإنسان تعديل