ويقول التاريخ – الذى تكره أوروبا الاعتراف به إلا القلة المنصفة – إن أوروبا بدأت تخرج من ظلمات قرونها الوسطى المظلمة حين احتكت بالمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، سواء فى الحروب الصليبية أو البعوث التى بعثتها للتعلم فى مدارس المسلمين فى الأندلس بصفة خاصة، وفى صقلية وغيرها من البلاد التى نورها الإسلام.
بل تقول الروايات التاريخية إن رجال الدين المسيحى أنفسهم كانوا يتعاطون الثقافة الإسلامية فى تلك المدارس، أو فيما ينقل منها إلى اللغات الأوروبية، وإنهم كانوا يترقون فى مناصب الأكليروس بقدر ما يحصلون عليه من تلك الثقافة! "
ويقول روجر بيكون (فى القرن الثالث عشر الميلادى): " من أراد أن يتعلم فليتعلم العربية لأنها هى لغة العلم ".
لقد وجدت أوروبا حين احتكت بالمسلمين عالما عجيبا بالنسبة إليها، ليس فيه بابورات ولا رجال دين! وليست فيه أسرار عقيدية يختص بعلهما فريق من الناس دون فريق .. وليس فيه " نبلاء! " يستعبدون الناس فى إقطاعياتهم .. وليس فيه حجر على العقول أن تفكر، ولا حجر على العلم أن يبحث ويجرب وينشر أبحاثه على الناس.
يقول " راندال " فى كتابه " تكوين العقل الحديث " (ترجمة جورج طعمة ج 1 ص 314 من الترجمة العربية):
وبنوا (يقصد المسلمين، وإن كان يستخدم لفظة " العرب " تحاشيا لذكر المسلمين!) فى القرن العاشر فى أسبانيا حضارة لم يكن العلم فيها مجرد براعة فحسب، بل كان علما طبق على الفنون والصناعات الضرورية للحياة العملية، وعلى الإجمال كان العرب يمثلون فى القرون الوسطى التفكير العلمى والحياة الصناعية العلمية اللذين تمثلهما فى أذهاننا اليوم ألمانيا الحديثة ".
ويقول ليوبولد فايس (محمد أسد) فى كتابه " الإسلام على مفترق الطرق " (ترجمة عمر فروخ ص 39 – 40 من الترجمة العربي):
" إن العصور الوسطى قد أتلفت القوى المنتجة فى أوروبة .. كانت العلوم فى ركود، وكانت الخرافة سائدة، والحياة الاجتماعية فطرية خشنة إلى حد من الصعب علينا أن نتخيله اليوم، فى ذلك الحين أخذ النفوذ الإسلامى فى العالم – فى بادئ الأمر بمغادرة الصليبيين إلى الشرق، وبالجامعات الإسلامية الزاهرة فى أسبانيا المسلمة فى الغرب، ثم بالصلات التجارية المتزايدة التى أنشأتها جمهوريتنا جنوة والبندقية – أخذ هذا النفوذ يقرع الأبواب الموصدة دون المدنية العربية.
" وأمام تلك الأبصار المشدوهة، أبصار العلماء والمفكرين الأوروبيين، ظهرت مدنية جديدة، مدنية مهذبة راقية خفاقة بالحياة، ذات كنوز ثقافية كانت قد ضاعت ثم أصبحت فى أووربة من قبل نسيا منسيا. ولكن الذى صنعه العرب كان أكثر من بعث لعلوم اليونان القديمة .. لقد خلقوا لأنفسهم عالما علميا جديدا تمام الجدة .. لقد وجدوا طرائق جديدة للبحث وعملوا على تحسينها، ثم حملوا هذا كله بوسائط مختلفة إلى الغرب. ولسنا نبالغ إذا قلنا إن العصر العلمى الحديث الذى نعيش فيه لم يدشن