تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام) إنما كان " فساد الدين " هو السبب فى ذلك الظلام الذى اكتنف أوروبا فى قرونها الوسطى المظلمة الحالكة السواد.

وأوروبا لا تحب أن تصدق هذه الحقيقة فى جاهليتها المعاصرة – مع أنها حقيقة موضوعية بحتة يشهد بصحتها كل ما كتبه مؤرخوهم المنصفون عن الحضارة الإسلامية – لأن مجرد تصديقها معناه أنهم كانوا مخطئين فى نبذه " الدين " كله بحجة فساد الدين الذى قدمته الكنيسة لهم، وأنهم مازالوا مخطئين إلى هذه اللحظة للسبب ذاته .. وهم لا يريدون أن يرجعوا إلى الدين بأى وسيلة من وسائل الرجوع!

مرة أخرى لا تريد أن نحاسب أوروبا على انحرافاتها فى مجال الدين والعقيدة، إنما نشرح فقط خطوات ذلك الانحراف.

كانت سيطرة الدين الكنسى على الحياة الأوروبية فى قرونها المظلمة أمرا سيئا كما قلنا – برغم سيطرة بعض الفضائل الدينية على الحياة وخاصة فى الريف الأوربى – لأن ذلك الدين بما حواه من انحرافات جذرية فى العقيدة من ناحية، وفى فصل العقيدة عن الشريعة من ناحية أخرى، وفى فساد ممثليه من رجال الدين وجهالتهم من ناحية ثالثة – كان مفسدا للحياة ومعطلا لدفعتها الحية، كما كان مفسدا للعقول ومعطلا لها عن التفكير السليم.

لذلك كان نبذ ذلك الدين والانسلاخ منه أمرا ضروريا لأوروبا إذا أرادت أن تتقدم وتتحضر وتعيش ..

ولكن البديل الذى اتخذته أوروبا بدلا من دينها لم يكن أقل سوءا إن لم يكن أشد، وإن كان قد أتاح لها كل العلم والتمكن المادى الذى يطمح إليه البشر على الأرض، تحقيقا لسنة من سنن الله التى تجهلها أوروبا وتجهل حكمتها، لأنها لا تؤمن بالله وما نزل من الوحى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾ [سورة الأنعام 6/ 44]

نعم! لم تكن العبودية للأحبار والرهبان من البابوات ورجال الدين أمرا صالحا للحياة ولو كانوا هم أنفسهم من الصالحين، لأن العبودية لاتصح إلا لله وحده، ولا تصلح الحياة إلا إذا كانت لله وحده .. فكيف وهؤلاء الأحبار والرهبان على ما كانوا عليه من الفساد والجهالة والبعد عن حقيقة الدين؟!

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)﴾ [سورة التوبة 9/ 31]

ولم يكن الدين الذى يحوى كل ذلك القدر من الأساطير، ويحارب العلم ويحجر على الفكر، ويفصل بين الدنيا والآخرة فيهمل الدنيا وينبذها من أجل الخلاص فى الآخرة، ويحتقر الجسد ويعذبه من أجل خلاص الروح، ويبيح فى الوقت نفسه للإقطاعيين أن يمتصوا دماء الفلاحين ويكتنزوا بها ويترفوا ويفسدوا، ويخذل الفلاحين عن الثورة على هذا الظلم بحجة الحصول على رضوان الله وجنته فى الآخرة إن رضوا بالمذلة والظلم فى الحياة الدنيا .. لم يكن ذلك الدين ليسمح للحياة بالتقدم، وهو يلفها بأغلفة سميكة من الظلام.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢٥٤