فقد قسم العالم العربى اليد ويلات ضعيفة مسلوبة القوة لا حول لها ولا طول. فالقوة السياسية والعسكرية ذهبت بذهاب دولة الخلافة وصار حكام تلك الدويلات يعتمدون اعتمادا كاملا على بريطانيا وفرنسا – صديقتى اليهود – وصارت جيوشها جيوش استعراض وزينة لا جيوش قتال حقيقى، تعتمد في سلاحها وذخيرتها اعتمادا كليا على بريطانيا وفرنسا، واقتصادياتها غاية في التخلف .. أما شباب الشعوب – وهو قوة خطرة إذا وجد التوجيه الجاد – فقد سلط عليه " التغريب " يقتلعه من إسلامه ومن روح الجهاد الإسلامية، وسلطت عليه السينما والإذاعة والمسرح والقصة والصحيفة والشواطئ العارية .. كلها تصب الميوعة في نفسه وتصرفه عن الاهتمامات الجادة، وتفسد أخلاقه وتشغله بفتنة الجنس .. فوق انشغال كل بلد بقضاياه ومشاكله الخاصة، وفوق بذر بذور البغضاء بين كل بلد والآخر حتى لا تجتمع كلها على قضية واحدة ولا أمر واحد مشترك.
وفي ظل ذلك قامت الدولة اليهود ية بعد مسرحية " الحرب " ثم الهدنة .. ثم الحرب ثم الهدنة الثانية بعد وقوف الجيوش " المتحاربة " عند خط التقسيم المتفق عليه! ولكن أمرا حدث لم يكن على خاطر الصليبيين واليهود .. فوجئوا به جميعا مفاجأة لم تكن في الحسبان .. فقد اشترك في القتال فدائيون مسلمون، يحرصون على الموت حرص أعدائهم على الحياة. وحين عركهم اليهود وعرفوا حقيقتهم، كانوا إذا جابهوهم يفرون عن مستعمراتهم، تاركين أسلحتهم وذخيرتهم ومئونتهم لينجوا بجلودهم!
كانت المفاجأة من جهتين ..
فقد كان الصليبيون واليهود يظنون أن الإسلام كله قد شاخ ولم يعد بوسعه أن يخرج مثل هذه العينات من البشر، وكانت المفاجأة الثانية أنهم ظنوا أن مصر بالذات التي عمل الصليبيون على دك معاقلها الإسلامية منذ وقت مبكر، منذ الحملة الصليبية الفرنسية بقيادة نابليون، لا يمكن أن تخرج هذه العينات الصلبة المستميتة في القتال بروح جهاد إسلامية خالصة لا يرى دون بذلك جزاء ولا شكورا.
عندئذ تقر أمران في وقت واحد ..
الأمر الأول ضرورة القضاء على حركة البعث الإسلامى التي أخرجت مثل هؤلاء المجاهدين. والأمر الثانى ضرورة إيجاد بديل من الراية الإسلامية التي أخرجت أولئك المقاتلين وتوشك أن تمتد ظلالها من مصر إلى البلاد العربية الأخرى ..
وكان البديل هو " القومية العربية ".
يقول جورج كيرك " George Kirk" مؤلف كتاب موجز تاريخ الشرق الأوسط " A short History of the Middle East" إن القومية العربية ولدت في دار المندوب السامى البريطانى!!
ولقد كانت بريطانيا قد فكرت من قبل في إيجاد " الجامعة العربية " على مستوى الحكومات، فطار " أنتونى إيدن " وزير الخارجية البريطانى إلى القاهرة عام 1946م ودعا الملوك والرؤساء العرب إلى الاجتماع به هناك، وعرض عليه م في الاجتماع فكرة إنشاء الجامعة العربية في القاهرة لتتبنى قضايا العرب وتدافع عن