مرّة أخرى وردّه إلى ملكه ﴿تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيرا﴾، ﴿لو كان فيها آلهة إلاّ الله إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ... ﴾. نفوا رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة، قاتلهم الله، وأين النعيم من رؤية الله في الجنّة وهو أعظم النعيم عند المؤمنين يوم القيامة، والله يقول ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربّها ناظرة﴾. وكثير من علمائهم لا يؤمنون بعذاب القبر وهو من عقائد أهل السنّة الثابتة بالقرآن والسنّة المتواترة، قال تعالى: ﴿النار يُعرضون عليها غدوّاً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أَدْخِلوا آل فرعون أشدّ العذاب﴾. وجهنّم ليس فيها نهار ولا ليل. فأثبتت هذه الآية أنّ العذاب قبل يوم القيامة، وهذا لا يكون إلاّ في القبر وعالم البرزخ. ولا يثبتون الشفاعة إلاّ للمتّقين، أمّا العصاة فلا شفاعة لهم، وبهذا ينفون الشفاعة عن أنفسهم ويشهدون على أنفسهم بالحرمان من شفاعة الشافعين. يقولون بفسق أصحاب المعاصي والكبائر في الدنيا وبخلودهم في النار بالآخرة كالكفّار، وهم بذلك يتشابهون مع المعتزلة. وهناك عقائد فاسدة أخرى كنفي الميزان والصراط والقول بالتقية خلافاً لجميع فرق الخوارج. و هم يرون إخفاء عقائدهم إذا ظهر عليهم الأعداء، ولعلّ هذا من أهمّ أسباب استمرار وجودهم إلى اليوم. لا يعتمدون من السنّة إلاّ ما جاء عن طريق زعمائهم فحسب، وبالتالي لم يقبلوا الكثير من الأحاديث بل ردّوها.
موقف الخوارج من المسلمين الخوارج فرقة مارقة، ترى كلّ من خالفها من المسلمين على غير الهدى والدين، وغلاتهم -وهم بالجملة غلاة- يرون كفر من خالفهم وحتّى الأطفال. وهم مع ذلك يستبيحون الدماء والأموال، لدرجة أنّ بعضهم يرى كفر الرعيّة إذا كفر الحاكم .. إلاّ الإباضيّة: فإنّهم يستحلّون دماء المخالفين إذا كان لهم إمام، وكذلك لا يحكمون بكفر الأطفال من المسلمين ويتولّونهم ويتوقّفون في أطفال المشركين.
الفهرس
خلاصة القول وخلاصة القول في الخوارج أنّهم غلاة متفيقهون ضالّون في التصوّر والاعتقاد والسلوك، مع التشديد والأخذ بأحاديث الوعيد دون النظر في أحاديث التبشير والوعد، ولذلك استحقّوا التسمية النبويّة أنّهم: (كلاب أهل النار، يقتلون أهل الإسلام، ويذرون أهل الشرك والأوثان). ومن نافلة القول تحذير الشباب المسلم من المسير سير هؤلاء المجرمين والغلوّ الذي لا يوصل إلى حقّ أو دين، بل نُحَذِّر الدعاة إلى الله وشباب الصحوة من اتّخاذ الغلوّ منهجاً، والتفرق عن الحقّ وترك الجماعة لخلافات ربّما تكون فقهيّة في فرع من فروع الشريعة، فإنّ هذا من سمات الخوارج الأساسيّة وسلوكهم الذي -ولله الحمد والمنّة- كان سبب زوالهم ودمارهم ولم يبقَ منهم إلاّ أخبارهم السوداء التي سوّدوا فيها تاريخ هذه الأمة العظيمة. فعلينا إخوة الإسلام أن نجدّ ونجاهد لجمع الراية وبناء صرح الجماعة الصادقة العاملة العالمة تحت لواء أهل السنّة الخفّاق ليصدق علينا قول نبيّنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلوات وأزكاها والسلام وأكمله: (لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ منصورة لا يضرّها من خالفها ومن خذلها). وكذلك أحذِّر إخواني في الله من السماع للطرف الآخر الذي لا يهمّه إلاّ الإيقاع بين المؤمنين والتحريض على الموحّدين، ويسِمُهم بوصف ((الخوارج)) لينفّر منهم العامّة. فها أنا -أخي الحبيب- قد أبنت لك من هم