نورًا ساطعًا من الكعبة أضاء كل ما حولها حتى أضاء جبل يثرب، وأضاء قصور الحيرة والمدائن، وسمع صوتًا وسط النور يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الأنبياء، ظهر الإسلام، وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام. فاستيقظ فزعًا، ثم نادى على قومه، وحكى لهم رؤيته ثم قال لهم: والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث.
وبعد أن عاد إلى بلده، سمع أن رجلا من قريش اسمه محمد يدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، فأسرع إلى مكة، وقابل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبره بالرؤيا التي رآها في منامه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة، أدعوهم إلى الإسلام، وآمرهم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله وحده، ورفض الأصنام)، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن رغم ذلك كثير من الأقوام. [الطبراني وابن عساكر].
ثم طلب عمرو من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بالرجوع إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام، فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: (عليك بالرفق والقول السديد، ولا تكن فظًّا ولا متكبرًا ولا حسودًا) [الطبراني وابن عساكر وأبو نعيم].
ورجع عمرو إلى قومه، وأخذ يدعوهم إلى الإسلام، ثم قال لهم: يا بني رفاعة، بل يا معشر جهينة، إني رسول رسول الله إليكم، أدعوكم إلى الإسلام، وأخذ يعدد لهم خصال الإسلام، فقام رجل من قومه وقال له: يا عمرو بن مرة، أمر الله عيشك (أي جعله مُرًّا، أتأمرنا برفض آلهتنا، وأن نفرق جمعنا، ونخالف دين آبائنا إلى ما يدعونا إليه هذا القرشي من أهل تهامة؟ لا حبًّا ولا كرامة.
فقال له عمرو: الكاذب منا أمرَّ الله عيشه، وأبكم لسانه وأكمه أسنانه. فاستجاب الله له، ولم يمت هذا الرجل حتى عمي، وصمَّ، وفسد عقله. وظل عمرو يدعو قومه حتى أسلم منهم عدد كبير، فذهب بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرحب بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب لهم كتابًا، أوصاهم فيه بالزكاة والصلاة والصدقة. [الترمذي وأحمد].
وظل عمرو مع النبي صلى الله عليه وسلم يشارك في الغزوات، ولم يتخلف عن معركة خاضها المسلمون، وشارك في حروب الردة، وفي الفتوحات الإسلامية، وتوفي -رضي الله عنه- في خلافة معاوية.
================
صاحب الصوت الندي سالم بن معقل
إنه الصحابي الجليل سالم بن مَعْقِل -رضي الله عنه-، كان في الجاهلية عبدًا لأبي حذيفة بن عتبة، فأسلما معًا، وكان أبو حذيفة يتبناه ويعامله كابنه، فكان يسمى سالم بن أبي حذيفة، فلما أبطل الإسلام التبني، قيل: سالم مولى أبي حذيفة، وزوَّجه أبو حذيفة من ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد. وهاجر سالم إلى المدينة، وكان يستمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ويأخذه عنه، حتى صار من حفاظ القرآن وممن يؤخذ عنهم القرآن، بل كان من الأربعة الذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ