تلك كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، وقد كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، ويذكر الطبري أن رجالاً ونساء هاجروا في هذه الهجرة، وأنهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار (الطبري تاريخ الأمم 2 - 221).
وهنا نلحظ أن المهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الأولى كانوا رجالاً ونساء، من الرجال: عثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون وغيرهم (عشرة رجال وقيل أحد عشر رجلاً).
ومن النساء: رقية بنت رسول الله، وسهلة بنت سهل مع زوجها أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أمية امرأة أبي سلمة، وكانت مع زوجها، وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة.
ومن الأسماء تدرك أن جلَّهم من أشراف قريش الذين أسلموا، خرجوا امتثالاً لأمر النبي ص، وقد مكثوا بالحبشة قرابة ثلاثة أشهر، ثم عادوا إلى مكة، حيث أرادوا أن يكونوا على صلة بحال إخوانهم الذين لم يهاجروا.
لكن الذي لا خلاف عليه أن هذه التجربة كان لها ما بعدها.
وحين عاد هؤلاء المهاجرون إلى مكة لم يستطيعوا دخولها إلا من وجد له مجيراً، فدخل أبو سلمة في جوار خاله أبي طالب، ودخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، غير أنه رد عليه جواره حين رأى ما صنعه بالمسلمين من تنكيل وتعذيب.
إلى الحبشة مرة أخرى
بعد فشل محاولات قريش في صرف بني هاشم وبني عبدالمطلب عن الوقوف مع رسول الله، ص كان قرارهم بالمقاطعة لهم، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو عبدالمطلب إلى النبي ص عدا أبي لهب، ودخلوا في شعب أبي طالب، وعانى القوم من هذه المقاطعة ما عانوا.
هنا أمر الرسول ص جميع المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة، فهاجر معظمهم، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلاً، وثماني عشرة امرأة، وتوجه إليهم من أسلم من اليمن، وهم الأشعريون أبوموسى وبنو عمه.
وقد نجح هؤلاء جميعاً في إقناع النجاشي بما هم عليه من حق، مما أفسد سفارة عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، اللذين كانا قد ذهبا محملين بالهدايا للنجاشي بغية أن يسلم المسلمين إليهما، فما نالا سوى الإهانة والتوبيخ.
هجرات قبل الهجرة إلى يثرب
إذا كانت هجرتا الحبشة حركة من أجل نشر الإسلام وبيان الحق الذي ينطوي عليه للناس، وسعة من الضيق الموجود في مكة فإن رسول الله ص لم
يكف عن الحركة للغرض ذاته، فقد توجه إلى ثقيف بالطائف ومعه زيد بن حارثة، ورغم أنه ص لم يلق من ثقيف خيراً، فقد أسلم عداس النصراني، إثر حديث دار بينه وبين الرسول ص حين سمعه يقول "بسم الله الرحمن الرحيم" قبل أن يأكل العنب. وكان يذهب في المواسم يعرض نفسه على القبائل، ومن أثرها بدء إسلام الأنصار.
بداية انفراجة لمشروع الأمة