"الخلافة الإسلامية" وما تلاها من قيام دول علمانية محضة، أو علمانية بنسبة سيطرة القوانين الوضعية فيها.
هذا الفهم من الدعاة والمصلحين حفَّزهم على تقديم رؤى للإصلاح يمكن أن تمثل البذور الأولى لمشروع حضاري يعيد المسلمين إلى فهم عميق لإسلامهم، وسلوك رشيد يترجم هذا الفهم، وعرف الفكر الإسلامي الحديث مشروعات حضارية وإن شئت قلت مشروعات لمشروع حضاري بدءاً من الأفغاني ومروراً بالبنا، والنورسي، ووقوفاً عند المفكرين الإسلاميين المعاصرين، بل وغيرهم من اتجاهات أخرى لا تلتزم بالرؤية الإسلامية طريقاً ضرورياً لأسس المشروع وتطبيقاته.
ولكثرة هذه المشروعات وتنوع اتجاهاتها قدمت دراسة علمية لنيل درجة الدكتوراه حول المشروع الحضاري الإسلامي في مقابل المشروع الغربي والعلمانية (دكتوراه طبعها المعهد العالمي للفكر الإسلامي وهي لباحث من كلية دار العلوم، د. أحمد جاد).
لكن الذي لا يختلف عليه عاقلان أن طابع الجماعية أو اتفاق أكبر عدد من مفكري الأمة على مشروع من هذه، إنشاء، ودراسة، وتقويماً، لم يحدث وبذا ظلت فردية إلى حد كبير، وهذا ما دفعني إلى قراءة حدث الهجرة بروح من ينشد للأمة سبيلاً إلى مشروع حضاري تفكر فيه جميعها، وتضحي من أجله وتورثه للأجيال كي تستمر عالمية هذا الدين وخاتميته مثلاً ومثالاً واقعياً.
كيف كانت الهجرة مشروع الأمة
كانت الهجرة من مكة إلى غيرها: الحبشة المدينة، الأمر الذي فكر فيه الجميع مخرجاً من التضييق على الحق، وأملاً في إقامة دولة له ينطلق منها إلى كل ربوع العالم ليبشر برحمة الله للعالمين، وبهديه الذي ختمت به رسالات السماء إلى الأرض.
ولأن هذه الفكرة انبثقت من ظروف معينة شعر بها كل المسلمين آنذاك وأولهم رسول الله ص لأنه هكذا وجدنا الهجرة فكرة نفذها كل من واتته الفرصة لجعلها واقعاً، ترتب عليه قيام دولة بكل مؤسساتها المدنية، وإحساس كل مسلم أنه أسهم بقدر في نجاح هذا المشروع المنبثق منه جعله يبذل كل غال وثمين في سبيل الحفاظ على هذا المشروع ضد المناوئين سواء كانوا كفاراً أو منافقين أو غيرهم، حسب مقتضيات الصراع ووسائل مقاومته، حرباً، أو جدلاً دينياً، أو إحباطاً لمؤامرات الزيف والتشويه.
ازداد أذى قريش لكل من أسلم رجاء صدهم عن اتباع الرسول ص فلم يتركوا باباً إلا ولجوه، فأشار الرسول على أصحابه أن تفرقوا فإن الله سيجمعكم، فلما سألوه عن الوجه أشار إلى الحبشة (محمد الخضري بك: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين ص 56، دار مكتبة الهلال طبعة أولى 1409ه 1989م).
وقد ذكر ابن إسحاق أن الرسول ص قال لأصحابه: "إن بالحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجاً" فكان أول من خرج منهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ص. (سيرة ابن إسحاق بتحقيق سهيل: 174، ابن هشام: 1 - 321).