تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الإمام البنا (رحمه الله): "وهل تنضج الموهبة، ويصفو الجوهر النقي إلا بين المنحة والمحنة؟ وتلك سنة الله تبارك وتعالى في تنشئة الأفراد وتربية الأمم، وسبيل أصحاب الدعوات، من اصطنَع لنفسه من عباده، وصُنع على يديه من خلقه ليكونوا أئمة يهدون بأمره ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون 35 (الأنبياء) مجلة الدعوة العدد 82 - ص 43).

وتأمل قصة أصحاب الجنة في القرآن إذ جاء في آخرها: قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون 28 قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين 29 فأقبل بعضهم على" بعض يتلاومون 30 قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين 31 عسى" ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى" ربنا راغبون 32 (القلم). فكان الابتلاء في حقهم رحمة من الله بهم؛ فلو تركهم وما تآمروا عليه من قطع الخير ومنعه عن الآخرين ولم يبتلهم تذكيرًا لهم ولقلوبهم، لضلوا وماتوا على ضلالهم، فكان المنع موجبًا للعطاء بعد ذلك، ورحم الله ابن عطاء حينما قال: "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك" ولو تفكر المرء في المنع وأسبابه "لصار المنع هو عين العطاء".

14 اليقين الجازم أن هذا هو طريق الأنبياء والمرسلين، والدعاة والمصلحين، وفي قصص القرآن العبرة للدعاة إلى الله من أجل تثبيت القلوب وطمأنة النفوس، فما من نبي إلا أوذي في سبيل دعوته يقول تعالى: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى" للمؤمنين 120 (هود: 120)، فمن أراد التمكين فلا بد من البلاء، وقد سُئل أحد أئمة المسلمين: أيمكّن المرء أولاً أم يُبتلى؟ فقال: لا يمكّن المرء حتى يبتلى".

ولله در الإمام البنا رحمه الله وقد قرأ بعين نافذة وبصر ثاقب صفحات الماضي فصاغ منها نظرته إلى المستقبل، يقول: "لا زالت دعوتكم مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها، ستلقي منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فستُسجنون وتُعتقلون وتُشردون، وتُصادر مصالحكم، وتُعطل أعمالكم، وتُفتش بيوتكم .. وقد يطول بكم الامتحان، ولكن الله وعدكم بعد هذا كله نُصرة المجاهدين، ومثوبة العاملين المحسنين، فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟ " (مجموعة الرسائل).

15 فتح آفاق جديدة وأماكن جديدة للعمل الإسلامي، فما من دعوة يُضيّق عليها في أرضها ووسط أهلها، إلا والتمست كسب أرض جديدة أفضل مناخًا للعمل والعطاء. فحينما ضُيِّق على الدعوة الأولى في مكة هاجر المسلمون إلى الحبشة، وهناك أسلم النجاشي، وأمِنَ الناس على دينهم، ونشروا بين الناس كلمة الحق فأسلم خلق كثيرون.

والحركة الإسلامية المعاصرة ضُيّق عليها في بلادها ووسط أهلها، فهاجر رجالها يلتمسون الأمن في أماكن أخرى، فإذا بدعوتهم الآن تنتشر في أرجاء الأرض.

يقول الإمام البنا في آخر ما كتبه رحمه الله: "ويعود إخوانكم من البعثات العلمية أو من الرحلات التجارية في إنجلترا أو أمريكا أو فرنسا أو غيرها من بلاد الغرب المتهالكة على المادة المتهافتة على الطغيان، فإذا بهم قد أنشأتهم المرحلة نشأة أخرى، وسمعوا ورأوا من حديث الناس هناك عنكم واهتمامكم بشأنكم والتعليق على جهادكم وجهودكم، بما يجعلهم يستشعرون التقصير في حق الدعوة، ويعتزمون بذل الجهد

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٩٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٩٥٩