10 ومن أعظم ثمرات الابتلاء الحصول على تأييد المؤمنين، بعد تأييد الله تعالى، ويكون ذلك بزيادة مستوى الحب والترابط بين أصحاب العمل الإسلامى، بل وبين المسلمين جميعًا، وانظر إلى المحن والابتلاءات التي تنزل بالمسلمين في المشارق والمغارب، كيف قاربت بين القلوب، وألّفت بين النفوس، "فالمصائب يجمعن المصابينا"، فأصبحنا نرى النصرة بالدعاء للمسلمين في فلسطين والعراق وكشمير والشيشان وغيرها من بلدان المسلمين، وذلك كله بسبب المحنة أو البلية التي نزلت بهذا البلد أو ذاك، فوحدت بين القلوب والمشاعر، وإن ظلت الأجساد متباعدة، يقول تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين 62 وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم 63 (الأنفال).
ويكفي من ذلك تعاطف الناس مع الفكرة الإسلامية وتأييدهم لها، تجد ذلك واضحًا في أي انتخابات يخوضها الدعاة إلى الله بقصد الإصلاح والتغيير، فتشعر حينئذ من التفاف الجماهير وهتافاتهم للإسلام ومنهجه وصلاحيته للتطبيق براحة في الضمير، واطمئنان وثقة بنصر الله تعالى وإن تأخر إلا أنه حتميّ الوقوع ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 40 (الحج).
11 تفجير الطاقات وبروز الكفاءات: فمن المعلوم أن النفوس تكتسب من الرخاء والعافية الدائمة ركونًا إلى الدنيا "فالرخاء ينسى، والمتاع يلهي، والثراء يطغي، فإذا أراد الله تبارك وتعالى بها خيرًا ذكرها بالابتلاء والشدة، استحياء لها بالألم، والألم خير مهذِّب، وخير مفجّر لينابيع الخير المستكنة، وخير مرْهف للحساسية في الضمائر الحية، وخير موجه إلى ظلال الرحمة التي تنسم على الضعاف المكروبين نسمات الراحة والعافية في ساعات العسرة والضيق لعلهم يضرعون" (في ظلال القرآن 3 - 1337).
وانظر كيف كان رسول الله ص يستخرج هذه الينابيع من نفوس أصحابه في مواطن الشدائد، فتبرز الآراء، والتوجيهات، وتبزغ القدرة على العطاء، وتطفو المواهب المستكنة فتعلن عن نفسها في وضوح، فهذا سلمان يصدع يوم الأحزاب بخندقه، وهذا نعيم بن مسعود يبرز بدهائه وحكمته، وذاك حذيفة يُختار من بين الجموع لرويته وحسن تصرفه، والتاريخ مليء بأمثال هؤلاء.
12 غفران الذنوب وتكفير السيئات، فقد روى الترمذي عن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد وما عليه من خطيئة".
13 التذكير بالله تعالى، وبالرجوع إليه، يقول تعالى: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون 168 (الأعراف). فتوالي الابتلاء سواءً أكان بالخير أم الشر رحمة من الله بالعباد، وتذكير دائم لهم، ووقاية من النسيان المؤدي إلى الاغترار والبوار. فلعل من ابتُلي بالحسنات أن يشكر، والشكر يقتضي الاعتراف بالمنعم جل جلاله، وبفضله وعطائه ومَنِّه، ومن ابتلي بالسيئات عليه أن يصبر، والصبر نصف الإيمان فلا جزع ولا يأس.