7 وليمحص الله الذين آمنوا (آل عمران: 141) فالتجارب العملية هي التي تربي الإنسان، وهي التي تظهر مدى استعداده الحقيقي لمجابهة القوارع التي تنزل به وبدينه وأمته، فليست الأماني هي محك الحكم على الإنسان، وإنما هو ميدان العمل والجهاد.
يقول تعالى: ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى" إذ قالوا لنبي لهم \بعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين 246 (البقرة).
"والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز، التمحيص عملية تتم في داخل النفس، وفي مكنون الضمير، إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيدًا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق بلا غبش ولا ضباب، وكثيرًا ما يجهل الإنسان نفسه ومخابئها ودروبها ومنحنياتها، وكثيرًا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير.
ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص، ثم إذا هو يكشف على ضوء التجربة العملية، وفي مواجهة الأحداث الواقعية أن في نفسه عقابيل لم تمحّص، وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط، ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه، ليعاود المحاولة في سبكها من جديد، على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة" (في ظلال القرآن 1 - 482 483).
وهذا أمر عظيم، ينبغي أن تفطن إليه القيادة الرشيدة للجماعة المسلمة، "فلا يجوز أن تضع خططها على أساس ما تسمعه من الرغبات والأماني من أعضائها الدعاة أو الأنصار والمؤيدين، فالرغبة في الشيء شيء، والقيام به وبمتطلباته شيء آخر" (المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة 2 - 198 199 للدكتور عبد الكريم زيدان).
8 ويمحق الكافرين 141 (آل عمران)، وهي من أدق الفوائد التي لا يشعر بها أصحاب الدعوات كثيرًا، فالله تعالى: "إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم، وقتالهم، والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم" (زاد المعاد 2 - 100).
9 صلاح النفوس وتهذيبها، فلو بسط الله لعباده النصر كما يبسط لهم الرزق لبغوا، وطغت نفوسهم، ولكنه سبحانه أعلم بعباده: ما يصلحهم، وما يفسدهم ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير 14 (الملك)، "فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط" (زاد المعاد 2 - 100).
فالخير لا يعلمه إلا الله، ورب محنة انقلبت إلى منحة، وكم من رزية لو فكر في عواقبها صاحبها لعلم أنها هدية: والله يعلم وأنتم لا تعلمون 19 (النور).