قولوا له قد رام رؤيتك المظفرُ قيصر
ويأتون إليه بعبد الله بن حذافة، وهو مكبل في أغلاله، وهو الذي يضرع إلى ربه في الليل تاليًا آيات كتابه الكريم أن يفرج عنهم هذا الكرب الأليم:
يا أيها الحراس فلتمضوا بجنح السرعة
وأتوه بابن حذافة السهمي رأس العصبة
سوقوه في أغلاله من ظلمة في ظلمة
ذاك الذي يتلو الكتاب بليله في رقة
ولتسمعوه مرددًا آياته في عزة
ويذهبون فيجدون عبد الله يترنم في زنزانته ويصدح بمناجاة خالقه:
عبد الله يشدو في الزنزانة:
يا معقل الأبطال إني من وعيدك لا أخافْ
أنا سيد الساحات ترهبني الصوارم والخفاف
شوقي لذات الشوكة الحمراء قد شغف الشغاف
فأنا ابنها ولها أكرُّ وليس لي عنها انعطاف
فاشدد بقيدك ليس يخشى الليثُ من قرن الخراف
ويأتيه السجان، ويطلب منه أن يقدم إلى هرقل، وأن يسجد إليه، فيصده عبد الله عن مراده، ويأبى أن يسجد إلا لله:
هيهات أن يهوي الجبين سوى لرب العالمين
فبسجدتي عزي، وذلي سجدتي للآخرين
ولتسجدوا لعظيمكم، أما أنا لن أسجدا
أنتم أذلاء ومثلي لم ولن يُستعبدا
ويدخل، ويدور نقاش بينه وبين هرقل عن سبب المجيء إلى أراضيه وعن دعوتهم:
من أنت؟ ما اسمك؟ ما الذي ألقاك في بئس القضاء؟
وإلام تدعو؟ فيم جردتم لنا سيف العداء؟
عبد الله يرد:
أنا مسلم سميت عبد الله لا عبد العبيد
أدعو إلى التوحيد والإيمان والحق الرشيد
والحاقدون على الهدى فكما لنا كادوا نكيد
لكن هرقل يتعجب قائلاً: إنكم كنتم بالأمس القريب ترهبوننا، وتخشون نقمتنا، فلماذا تقدمون على تلك الجرأة العمياء؟ فيبين له عبدالله حقيقة الإسلام، ذلك النور الذي ملأ الدنيا عدلاً وأمناً وسماحة:
بل أرسل الرحمن آخر مرسَل منا وفينا
وعلى جميع الكتْب شعَّ مهيمنًا يحدو السفينا
قد كان فينا صادقاً لا يدعي كذباً أمينا
فعلى هدايته اتحدنا ننصر الحق المبينا
ونقاتل الكفار من عادى الهدى أمسي دفينا