فالملك قد ولَّى تلاحقه أسنة قهره
فخلا يشاور قادة الجيش الكبار بأمره
ويتعجب هرقل من هزيمة جيشه، فهو كثير العدد والعدة والعتاد، ويتساءل مستنكرًا:
فيم الهزيمة ويلكم من خصمكم؟ ماذا يريد؟
قد فقتموه بالخيول .. بالجنود .. وبالحديد!
أهم زبانية! أجن؟ أم ملائك! أم أسود
ويلي أكلُّ سيوفهم تُردي كسيف ابن الوليد؟
ويشاور هرقل قادته عن المخرج من هذا الأمر الصعب، وكيف يحققون النصر على العرب الحفاة كما يرونهم؟ فيعرض عليه القائد فرجيليوس رأيه:
يا سيدي أعداؤنا هم معشر العرب الحفاة
وأجاءهم لبلادنا جوع يكابده العراة
فمتى البطون تكدّست شحماً هوى بأسُ الغزاة
إلا أن هرقل يضعف هذا الرأي ولا يأخذ به، لذلك يتناول القائد بلاوتوس طرف الحديث ليعرض رأيه الدائر حول إرضاء نزوات هؤلاء العرب بالنعيم والحسان من النساء:
يا سيدي في البيد قحطٌ زادَه حرٌّ وقر
وبلادنا بجنانها الأنهار تبهج والثمر
فجمالها وجمال حسناواتنا جرَّ الخطر
فلنرضهم بجناننا وحساننا نجنِ الظفر
فيرد هرقل رافضاً ذلك:
ماذا أصاب عقولكم؟ بئس الذي قد قلته
أهوى النفوس يبث تضحية وعزماً خفتَه؟
الأمر أعمق ما بصرتَ به وقد أخطأته
ثم يستعرض القائد هوراس تاريخ الدعوة الإسلامية، وكيف أن المسلمين عافوا حياة الجاهلية، وأنهم يدافعون عن دينهم لا عن مشاعرهم، وأنهم يستعذبون الشهادة أملاً في الفردوس الأعلى، ويقارن بينهم وبين جند الروم الباحثين عن النساء والمال:
أهرقل .. جند محمد عافوا حياة الجاهلية
ويقاتلون لدينهم لا للمناصب والحمية
فاق الضراغمَ بأسُهم يتوثبون إلى المنية
هم كالرواسي لا تزحزحها الأعاصير العتية!
فمُناهم الفردوس والجنات لا الدنيا الدنية
لكن جند الروم قد ثملوا بأحضان النساء
ويقاتلون لمغنم أو للمناصب والرياء
ليس الذي يخشى الردى كمُحبه ليسوا سواء!
فيستصوب منه هرقل هذا الرأي، ويقول:
لكأن ما قد قلتَه عين الصواب فأحضروا
أحد الأسارى وليكن من خيرهم فتخيروا