لكن هرقل يتوعد عبد الله، ويُزبد ويرغى ويهدد، ويعرض عليه أمواله، ليتنصر وإلا فسوف يصلبه ويعاقبه:
فلأصلبنك إن رفضت أُعِلُّ من دمك السهام
فالموت عاقبة لمن يأبى التنصر والحمام
إلا أن عبد الله يفجؤه بطلبه الموت والشهادة التي يتمناها:
اقتل، فإن مناي أن ألقى الإله مصلبا
لأحل في الجنات أحظى بالحسان مخضبا
إن الشهادة مطلبي وسواها لا لن أطلبا
ويأمر هرقل بقتله، ويتراجع قائلاً للرماة: ارموه بعيداً عن قلبه، عسى أن يتراجع عن موقفه، لكن المذهل أن عبد الله يصر على موقفه البطولي، وهو يضرب للأجيال المثل العظيم في الثبات على الدين مهما كان الإغراء والتعذيب، ويتعجب الجنود من شكيمة هذا المسلم وقوة إيمانه وتمسكه بدينه:
عجباً لهذا المؤمن الصنديد لا يخشى الردى
لا بل يراه مهللاً يشدو له مستشهدا
اليوم أهبط جنتي وأرى الحبيب محمدا
وإزاء هذا الفشل الذريع من جانبهم في استمالة عبد الله إليهم، يلجأون إلى إغرائه بالنساء، وفعلاً يأتون إليه بالحسناء سيفيلا:
متعْ بجسمي ناظريك وشدني شدّاً إليك
وارشف رحيقي واحتضني إن تكرِّر لا عليك
ويعرض عنها عبدالله قائلاً:
قد قال: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم
والله لست بفاعل .. لن تظفري بخيارهم
يا رب إلا تصرفن هذي أكن كشرارهم
قد قلتَ لا يزنون إني في هدى أبرارهم
فلتغربي عني ورومى الفحش مع فجارهم!
وتذهب الحسناء تعلن فشلها أمام هرقل، الذي يطلب من الحراس أن يضعوا عبد الله في مرجل يغلي وهو مقيد في الأغلال ويعرض عليه أخيرا هرقل التنصر:
أعطيك يا بن حذافة للعيش فرصتك الأخيرة
فارض التنصر، فالعقوبة إن تخالفني مريرة
ويتمسك عبد الله بموقفه البطولي إلى النهاية:
والله لن أرتد عن ديني ولو قطعت لحمى!
إن المُحال تنصري، سيريك صدق القول عزمي
ثم يأتون بأحد المسلمين ويضعونه في القدر، ويحترق أمام عيني عبد الله، لكنه لم يتزعزع، وعندما اقتربوا من لحظة وضعه في القدر أيضاً، تلوح منه قطرات الدموع فيتهللون ظناً منهم أنه تراجع لكنه يقول في عزة المؤمن الصلب:
والله دمعي ما جرى جزعاً فقلبي قد تمنى
مائة من الأرواح تقتلها بحب الله تفنى