أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. فقال قيصر: إذًا أقتلك، فقال عبد الله: أنت وذاك. فقال القيصر للرماة: ارموه قريبًا من بدنه، وأخذ يعرض عليه المسيحية وعبد الله يأبى، فقال القيصر: أنزلوه، ودعا بوعاء كبير فصبَّ فيه ماء، وأشعل تحته النار، ودعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقى فيها، فاستشهد وهو ثابت على دينه، فبكى عبد الله، فقيل للملك: إنه بكى. فظن الملك أنه جزع.
فقال الملك: ردوه. ثم سأله: ما أبكاك؟ فقال عبد الله: قلت هي نفس واحدة، تلقى الساعة، فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في سبيل الله. فقال الملك: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، فقال عبد الله: وعن جميع الأسرى؟ فقال الملك: نعم، فقبل عبد الله رأسه، وأخذ عبد الله جميع الأسرى، وقدم بهم إلى عمر، فأخبره بما حدث، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه. [ابن عساكر]. وانتقل عبد الله إلى مصر مع جيش عمرو، واستقر فيها حتى مات في خلافة عثمان.
============
"مصاحف تمشي"
صلاح حسن رشيد (@)
تأكيدًا لدور الكلمة في إحياء المثل العليا، والنماذج القدوة، وإحياء دور البطولة الفذة المستوحاة من تاريخنا العطر، ومن صفحاته الذهبية يأتي ديوان الدكتور مروان عرنوس "مصاحف تمشي" ملحمة شعرية تروي قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة مع هرقل عظيم الروم، وقد صدر الديوان عن دار الفكر دمشق 2004م. المسرحية الشعرية تحكي قصة الصحابي البطل، الذي رفض المفاتن والشهوات بفيض إيمان، وكل ثبات، وسريرة لا تتطامن، أو ترضخ للماديات والمحسوسات، ولكنها تعانق اللحظات الإيمانية والروحية، وانتصر على مغريات القياصرة والدنيا بأسرها. عبد الله في الزنزانة
يتضرع ابن حذافة لبارئه (جل وعلا) أن ينجيه من هذا الكرب الشديد، وأن يؤنس روحه في وحشتها، فهو لا يخاف الوعيد، ولا التهديد، ولا التعذيب بالسياط:
رباه أنت مثبتي في محنتي ومعيني
وأنا الفقير لرحمةٍ من بطشهم تنجيني
يا مؤنسي في وحشتي لعلاك ذلَّ جبيني
فأنر فؤادي واهدني بكتابك المكنون
أنا لا أخاف وعيدهم والسوط لا يبكيني
إذ بعتك الروح الثمينة مهرَ حورٍ عين
والليل معراجي إليك ومذهبٌ لشجوني
لا لن أبدل بيعتي والقيد لا يثنيني
ثم يبدأ الشاعر في تصوير معركته الإيمانية والعقدية والروحية الثابتة مع هرقل:
أما هرقل فقد توغر حقده في صدره