تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت بدر فرقاناً بين الحق والباطل فعلاً كما قال ربنا سبحانه وما أنزلنا على" عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (الأنفال:41) فرقاناً بين عهدين كما يقول العلماء المفسرون: عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، عهد إعلان تحرير الإنسان في الأرض من عبودية الطواغيت ومطاردة الضلال، إلى هداية الإسلام، وإقامة منهج الله في الأرض، فكانت بدر بحق ميلاداً جديداً للإنسان بعد الظلام والجاهلية التي انبثق منها النظام الإسلامي الفريد الذي جاء بالقيم الجديدة التي ينبغي أن تقوم عليها الحياة كلها، ويقوم عليها نظامه الاجتماعي والتشريعي والقانوني.

يقول الأستاذ سيد قطب: الفرقان في بدر الذي أقر هذه الحقائق، لم يعد ملكاً للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر، وإنما صار شيئاً فشيئاً ملكاً للبشرية كلها تأثرت به، سواء في دار الإسلام أم في خارجها، سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته، والصليبيون الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه في ربوعه، قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذي جاءوا ليحطموه.

وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعي الذي كان سائداً عندهم، بعدما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي، والتتار الذين زحفوا من الشرق ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية، وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض الجديدة، وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في قلب أوروبا! وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله منذ وقعة بدر متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام، أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء!.

وكانت فرقاناً بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة، فجرت وكل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة، حتى لقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض. "غر هؤلاء دينهم" .. وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد، وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة، وأن هذا ليس كلاماً يقال، إنما هو واقع متحقق للعيان.

وأخيراً فلقد كانت بدر فرقاناً بين الحق والباطل بمدلول آخر، ذلك المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى في أوائل هذه السورة.

وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) (الأنفال).

لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين، إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة، فأراد الله لهم غير ما أرادوا، أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٨٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٨٥٣