وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب المقداد حبًّا كبيرًا، ويقرِّبه منه، وجعله ضمن العشرة الذين كانوا معه في بيت واحد، عندما قسَّم المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة إلى عشرات، وجعل كل عشرة في بيت.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم) فقيل: يا رسول الله، سمهم لنا؟ قال: (عليٌّ منهم، يقول ذلك ثلاثًا، وأبوذرِّ، والمقداد، وسلمان، أمرني بحبهم، وأخبرني أنه يحبهم). [أحمد والترمذي].
وكان المقداد حكيمًا عاقلا، وكانت مواقفه تعبِّر عن حكمته فها هو ذا يقول للنبي (عندما سأله: (كيف وجدت الإمارة؟) وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ولاه إحدى الإمارات، فقال المقداد: لقد جعلتني أنظر إلى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعًا دوني، والذي بعثك بالحق، لا أتأمرن على اثنين بعد اليوم أبدًا.
فالمقداد لا يخدع نفسه، إنما يعرف ضعفه، ويخاف على نفسه من الزهو والعجب، فيقسم على عدم قبوله الإمارة، ثم يبّر بقسمه فلا يكون أميرًا بعد ذلك، ويتغنى بحديث للرسول (قال فيه: (إن السعيد لمن جنب الفتن) [أبو داود].
وللمقداد موقف آخر تظهر فيه حكمته، فيقول أحد أصحابه: جلسنا إلى المقداد يومًا فمر به رجل، فقال مخاطبًا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم:، والله، لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شاهدت، فأقبل عليه المقداد، وقال: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدًا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟ والله لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوامًا، كبهم الله -عز وجل- على مناخرهم (أي: أنوفهم) في جهنم، أو لا تحمدون الله الذي جنبكم مثل بلائهم، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم. [أبو نعيم].
وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بحبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بحب أربعة: علي، وأبي ذر، وسلمان، والمقداد) [أحمد والترمذي وابن ماجه].
وقد كان المقداد جوادًا كريمًا، فقد أوصى للحسن والحسين بستة وثلاثين ألفًا، ولأمهات المؤمنين لكل واحدة سبعة آلاف درهم، وتوفي المقداد -رضي الله عنه- بالمدينة سنة (33هـ) في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وعمره حينئذ سبعون عامًا.
============
يوم الفرقان
بقلم: د. توفيق الواعي
في حياة كل أمة أيام فاصلة تحدد مصائرها، وتوجه مستقبلها، وترسم معالمها، خيراً كان ذلك أو شراً، بعثاً كان أو خموداً، انطلاقاً أو تراجعاً. وغزوة بدر الكبرى بين المسلمين وكفار مكة والمجتمع الجاهلي كانت علامة تحول، ومفرقاً بين عهدين وفاصلاً بين منزلتين، صار المسلمون بعدها في عظمة وقوة، بعد انكسار وذلة، ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة (آل عمران:123) ومن كبت للحق وظهور للباطل، إلى ظهور للحق، ودحر للباطل، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) (الأنفال) ومن ضعف وحزن إلى فرح وبشرى وما جعله الله إلا بشرى" ولتطمئن به قلوبكم (الأنفال).