الكنيسة، فأتوها فإذا بابها مغلق، فقلعوا بعض السقف ونزلوا عليهم وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده، والسيف بيده اليمنى، فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشياً عليه، فأقبلوا على أولئك فأسروا وقتلوا فأقبلت عليهم الأسارى.
فقالوا: ننشدكم الله من هذا؟ قالوا: بُسر بن أرطأة، فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله، فعمدوا إلى أمعائه فردوه في جوفه ولم ينخرق منه شيء، ثم عصبوه بعمائمهم وحملوه ثم خاطوه فسلم وعوفي، وقد اختلف في صحبته، وكان من شجعان الأمة وأبطالها. (3).
وهذا البراء بن مالك رضي الله عنه يوم اليمامة حمله أصحابه في ترس ورفعوه على الرماح وألقوه على العدو، فقاتل وحده وقتل منهم عشرة وفتح الباب، وجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحاً، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم وروى هذا البيهقي في السنن (4)، وقد كان في الحديقة آلاف من بني تميم معتصمون بها وهم مقاتلون أشداء.
وحمل أبو حدرد الأسلمي رضي الله عنه وصاحباه على عسكر عظيم ليس معهم رابع، ونصرهم الله على المشركين، واستاقوا غنيمة عظيمة. (5).
وذكر الطرطوشي في "سراح الملوك" وغيره أن عمرو بن معدي كرب نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه: إني عابر على الجسر فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور (6) وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل تلقاء وجهي، وقد غفرني القوم (7) وأنا قائم بينهم، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلاً بينهم، ثم انغمس فحمل على القوم، فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد: علام تدعون صاحبكم؟ والله ما أرى أن تدركوه حياً، فحملوا فانتهوا إليه، وقد صرع عن فرسه، وقد أخذ برجلي فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضربه فما يقدر الفرس أن يتحرك فلما غشيناه رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور، كدتم والله أن تفقدوني (8)
وهذا عبدالعزيز بن زرارة يتعرض للشهادة في غزوة القسطينطينية سنة خمسين، وقد التحمت الحرب يوماً، واشتدت المقارعة فشد على من يليه يقتل وانغمس في جمهورهم فشجرته العلوج برماحها (9) فاستشهد رحمه الله. (10)
وهذا علي بن أسد، مر ليلة بالكوفة، فمر برجل يقرأ في جوف الليل: قل يا عبادي الذين أسرفوا على" أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53)، (الزمر) فقال علي: أعد فأعاد، ثم قال: أعد فأعاد، فعمد فاغتسل ثم غسل ثيابه، فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء وصارت ركبتاه كركبتي البعير، فغزا البحر فلقي الروم، فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو، قال علي: لا أطلب الجنة بعد اليوم أبداً، فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فمازال يضربهم وينحازون، ويضربهم وينحازون حتى مالوا في شق واحد فانكفأت عليهم السفينة فغرق وعليه درع الحديد. (11).
وأخلص من هذا السرد القصصي الجهادي إلى أن اقضية الانغماس في العدو والتعرض للشهادة وابتغاء مظان القتل قضية كانت معروفة زمان سلفنا بلا نكير، تساندها الأدلة التي سقت بعضها، وفتاوى الفقهاء العظام، فكيف يُعترض اليوم على