وسئل الإمام أحمد رحمه الله: الأسير يجد السيف والسلاح فيحمل عليهم وهو يعلم أنه لا ينجو، أعان الله نفسه؟ قال: أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إن أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: ذاك اشترى الآخرة بالدنيا (4).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: لا أرى ضيقاً على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسراً أو يبادر الرجل وإن كان الأغلب أنه مقتول، لأنه قد بودر بين يدي رسول الله ص وحمل رجل من الأنصار حاسراً على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي ص بما في ذلك من الخير فقتل. (5)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد روى مسلم في "صحيحه": عن النبي ص قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوَّز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر.
فإن كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يُقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا، الذي لا يندفع إلا بذلك أولى (6).
ونخلص من ذلك إلى أن العمليات الاستشهادية التي تجري في فلسطين من أعظم القربات وأحسن أنواع الجهاد، خاصة إذا اقترنت بها عدة أمور منها:
1 إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين ومنفعة لهم.
2 الإنكاء في العدو وإيذاؤه.
3 أو تجرئة المسلمين على العدو.
4 أو إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين وإقدامهم على الموت.
5 كسر قلوب الكفار لكسر شوكتهم.
وإذا نظرنا إلى أثر العمليات الاستشهادية في فلسطين، فإننا نجد أنها حققت كل الأهداف السابقة، فقد آذت العدو إيذاءً لم يؤذه إياه جيوش عربية مجتمعة منذ أن وُجدوا في فلسطين، وجرأت الشباب المسلم على اليهود، بعد أن كانوا أسيرين لنظرية جيش العدو الذي لا يقهر، وأرهبت العدو إرهاباً عظيماً وكسرت قلوبهم حتى صاروا يغادرون مستوطناتهم خوفاً من أبطال المسلمين، وهذا ما كنا نحلم بأنه كائن يوماً ما، هذا إضافة الى الأثر الاقتصادي العظيم على دولة العدو وازدياد عجزها، وهرب السياح وعشرات من الآثار السلبية، فهل بعد هذا كله يقال إن هذه العمليات حرام؟ خاصة أننا لا نكاد نرى وسيلة أخرى لإيذاء العدو غير هذه الوسيلة، فالقول بتحريمها قد يفضي إلى إغلاق باب الجهاد وإفراح العدو.
وهناك شبهة يتعلق بها بعض الناس وهي استهداف هذه العمليات الطاهرة لمدنيين، وأنا أقول: حرروا هذه اللفظة، فهل هناك مدنيون في فلسطين السليبة؟! والرجال والنساء غير العسكريين هم جنود احتياط ومدربون على السلاح ومحرضون علينا، وقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: 7 - 324: "كل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك" (7).