تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعجب الله من الشيء يدل على عظم قدره، وأنه لخروجه عن نظائره يعظم درجته ومنزلته، وهذا يدل على أن مثل هذا العمل محبوب لله مرضي، لايكتفى فيه بمجرد الإباحة والجواز حتى يقال: وإن جاز مقاتلة الرجل حتى يغلب على ظنه أن يُقتل فترك ذلك أفضل، بل الحديث يدل على أن ما فعله هذا يحبه الله ويرضاه، ومعلوم أن مثل هذا الفعل يُقتل فيه الرجل كثيراً أو غالباً. (2)

3 وروى ابن أبي شيبة والحاكم بسند صحيح إلى أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي ص: "ثلاثة يحبهم الله، فذكر أحدهم: "رجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له".

ومن أحسن ما يُردّ به على من يقول: إن العمليات الاستشهادية إلقاء بالنفس في التهلكة ما رواه أبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بين عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس: وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس: إنكم لتؤولون هذا التأويل، وإنما نزلت فينا الآية معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقد قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله ص: "إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلما أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، أنزل الله تعالى ما يرد علينا ما قلنا: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (البقرة: 195)، وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فمازال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.

فأي تفسير أحسن من هذا التفسير الذي فسر به أبو أيوب رضي الله عنه هذه الآية؟!! وهل يملك أحد بعده أن يؤول الآية خلاف تأويله؟!.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقياً بيده إلى التهلكة دون المجاهدين في سبيل الله، ضد ما يتوهمه هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد في سبيل الله، والآية إنما هي أمرٌ بالجهاد في سبيل الله ونهي عما يصد عنه. (3)

فإن قيل: قد قال الله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (البقرة: 195)، وإذا قاتل الرجل في موضع فغلب على ظنه أنه يُقتل فقد ألقى بيده إلى التهلكة، قيل: تأويل الآية على هذا غلط، ولهذا مازال الصحابة والأئمة ينكرون على من يتأول الآية على ذلك كما ذكرنا. (4)

وقال أيضاً رحمه الله تعالى بعد أن ذكر مزايا الشهيد وفضائله، وأن الله نهى عن تسميته ميتاً، قال: إذا كان الله نهى عن تسميته ميتاً واعتقاده ميتاً لئلا يكون منفراً عن الجهاد، فكيف يسمى الشهادة تهلكة، واسم الهلاك أعظم تنفيراً من اسم الموت، فمن قال: قوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (البقرة: 195)، يُراد به الشهادة في سبيل الله، فقد افترى على الله بهتاناً عظيماً. (5).

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٧٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٧٤٧