تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنا في غزاة فتقدم رجل فقاتل حتى قتل، فقالوا: ألقى هذا بيده إلى التهلكة، فكُتب فيه إلى عمر رضي الله عنه فكَتب عمر: ليس كما قالوا، هو من الذين قال الله فيهم: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، (البقرة: 207) ففي هذا الأثر والذي قبله بيان لجواز صنيع مَن حمل على الكفار بمفرده.

وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال: جاءت كتيبة من قبل المشرق من كتائب الكفار فلقيهم رجل من الأنصار فحمل عليهم فخرق الصف حتى خرج، ثم كر راجعاً فصنع مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فإذا سعد بن هاشم يذكر ذلك لأبي هريرة رضي الله قائلاً هذه الآية: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، (البقرة: 207).

2 ذكر الله تعالى قصة طالوت وأصحابه في معرض الثناء عليهم، وقد حملوا وحدهم وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً عدة أصحاب بدر وقابلوا جيشاً مؤلفاً من عشرات الآلاف، قيل: كانوا تسعين ألفاً، وقيل أكثر من ذلك، وفي ذلك هلكة بيِّنة.

3 وهذا معاذ بن عفراء رضي الله عنه يسأل النبيص: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسراً، قال: فألقى درعاً كانت عليه وقاتل حتى قتل رضي الله عنه وغمس الرجل يده في العدو حاسراً فيه تعريض نفسه للموت المحقق، وهو يشبه ما يصنعه أبطال الجهاد في فلسطين في عملياتهم الاستشهادية.

جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار (2) ومازلنا نستعرض الأدلة والآثار الواردة بشأن قاعدة "الانغماس في العدو":

1 فقد أخرج الطبراني في معجمه الكبير بإسناد عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبيص قال: "ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه، والذي له امرأة حسناء وفراش لين حسن فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء لرقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام في السحر في ضراء وسراء"، وموضع الشاهد من هذا الدليل قوله ص: "قاتل وراءها بنفسه"، وهذا مظنة الهلكة ولكن الله تعالى يحب هذا الصنيع ويرتضيه.

2 وأخرج الإمام أحمد بسنده إلى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ص قال: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيه إلى صلاته فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حيه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه وعلم ما عليه من الانهزام وما له في الرجوع فرجع حتى يهرق دمه، فيقول الله: انظروا إلى عبدي، رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى يهرق دمه".

قال ابن النحاس الدمياطي رحمه الله تعالى: ولو لم يكن في هذا الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس. (1).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث: فهذا رجل انهزم هو وأصحابه، ثم رجع وحده فقاتل حتى قُتل، وقد أخبر النبي ص أن الله يعجب منه،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٧٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٧٤٦