يقول: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (200) (آل عمران).
ثم يمضي على السنة عثمان، ويتواصل خروج الصحابة القراء حتى يستحر القتل فيهم، فيجمع القرآن من الأفواه في المصحف العثماني، ولا يمنع القراء من مواصلة الخروج على رؤوس البعوث، يتقدمهم عبدالله بن عباس فاتحًا في ثلوج أذربيجان، ويتبعه تلميذه سعيد بن جبير على رأس آلاف القراء من طلبة العلم مع ابن الأشعث شرقًا، بعد أن صار ركوب البحر من حمص، نحو قبرص ومطالع أوروبا دأب الفاتحين ونهجهم.
ويسلم العراق والشام، وتمتد أعناق المطي برايتنا وارفة الظلال في البقاع الطاهرة، يحرس ثغورها العلماء جيلاً بعد جيل، فهذا الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك، يحرس الثغر الشمالي في أطراف الشام العليا، فيرابط في ثغر طرسوس وحلب، ويخرج محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة من الشام إلى الحرم، فيملي عبد الله بن المبارك عليه هذه الأبيات لإبلاغها إلى الفضيل بن عياض، ويودعه للخروج وينشد معه:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبارالأطيب
قال محمد بن إبراهيم: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه، وقال: "صدق أبوعبدالرحمن ونصحني".
كذلك كان علماؤنا، وكذلك كان أهل الحديث خاصة، فالإمام ابن المبارك إمام في الحديث والجهاد، يمضي على طريقته الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "خرجت إلى الثغر على قدمي، فالتقطت" يعني: كان يلتقط التمر من الأرض من الجوع، يصاحب المجاهدين في مواقع النبال، ويفتي المرابطين في الثغور ويعلمهم دينهم، ويروي لهم الحديث في مظان الموت تمامًا كما كان أبو موسى الأشعري يفعل حين يروي أحاديث الجهاد والرباط التي تلقاها عن سيدنا النبي {في مرابط الخيل، ووجه العدو، فيؤديها كما علمها.
كان هذا دأب الصالحين من قبل، فأبو أيوب الأنصاري يشخص مرابطًا في سبيل الله، حتى يدفن تحت أسوار القسطنطينية، ينتظر وعد رسولنا {، بفتح القسطنطينية أولاً، وها هي شواهد الحق تروي للناس من بعد حكاية أصحاب النبي {، فهنا قبر أبي عبيدة، وهنا قبر معاذ بن جبل، وهنا قبر عكرمة، وهناك في الأرض تتبعثر قبور الصالحين من الفاتحين والمجاهدين، ليلتئم شمل أمة الجهاد والفتح المبين بعد.
وهذا إمامنا البخاري رحمه الله، إمام الحديث والفقه الجهادي، يرى حراسة الثغور دينًا كما رواية الحديث وطلبه، فيلزم الثغر الذي يخاف منه هجوم العدو، فيرابط في بلادنا فلسطين في قيسارية جنوب حيفا، ويرابط في أيلة، وبيت المقدس، ويتعب في رواية الحديث يومًا "فيستلقي على قفاه، فيقول له تلميذه: ما الفائدة في الاستلقاء؟ قال: