إنهم يستشهدون بأن عمر منع تدوين الحديث، و لكن لماذا عمر بالتحديد؟، لماذا لم يؤثر عن أبي بكر مثلا منع من يحدثون عن رسول الله، ثم إن ابن عمر ذاته هو من أبرز الرواة، و ربما ساوى أبي هريرة، فلما لم يمنعه أبوه، بل إن ابن عمر تميز بأنه كان يكتب، و لم يكن أبو هريرة يكتب، و عن أبي هريرة فقد حاول الكاتب في ذلك المقال أن يسيئ إليه، فقال إنه تحرر بعد استشهاد عمر و عاد إلى الرواية في قصر معاوية، و بين معاوية و عمر قرب عقدين من الزمان لا ندري أين كان فيهما أبو هريرة، و قد أشار الكاتب إلى كتاب تذكرة الحفاظ للذهبي كمرجع لهذه الجزئية، مع أن الذهبي كتب في تذكرة الحفاظ عن أبي هريرة مقالا قصيرا في حوالي ألف كلمة لم ترد فيها كلمة معاوية، و ليس فيها أي شيئ سلبي عن صاحب رسول الله أبي هريرة
و حاول الإساءة أيضا موردا قول ابن الجوزي بأنه لم يكن من فقهاء الصحابة، و أن عمر أنكر عليه أشياء، و لا أعلم ما يعيبه في هذا، فلقد تميز بأنه الحافظ الراوية المصاحب لرسول الله لم يفارقه، لا بالفقه، ثم إن أبا بكر قد أنكر أشياء على عمر و على قد أنكر على عمر و على عثمان و غيرهما، و كفانا بالحكاية الشهيرة التي فيها "أصابت امراة و أخطأ عمر" ... فهل يخرجهم هذا من دائرة الثقة و الاحترام، ألم يكونوا بشرا يبتغون فضلا من الله و رضوانا؟، بلى كانوا بشرا يتناصحون بينهم و يأمرون بعضهم بعضا بالمعروف، و يسددون و يقاربون، و كان الله معهم دائما
و يزيد كاتب ذلك المقال فيزعم أن عمرا قد اتهم أبا هريرة "ليس بالكذب فحسب بل و بسرقة مال المسلمين عندما ولاه البحرين"، و في هذه المرة لا يذكر مرجعه في هذا الادعاء، و في الحقيقة إن لهذا أصلا، و لكن الكاتب يكرر نفسه فيقتطع من الروايات لغرض يعلمه الله، فقد روى الذهبي في سير أعلام النبلاء تلك الحكاية قائلا إن: "عمرا استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة ألاف فقال له عمر استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله و عدو كتابه، فقال أبو هريرة فقلت لست بعدو الله و لا عدو كتابه، و لكني عدو من عاداهما، قال فمن أين هي لك قلت خيل نتجت و غلة رقيق لي و أعطية تتابعت، فنظروا فوجدوه كما قال" ... كان هذا هو الأمر الذي ذكر كاتب المقال نصفه فقط و كأن المتهم لا حق له في الدفاع
و يكمل الذهبي فيقول " فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليوليه فأبى، فقال (عمر) تكره العمل و قد طلب العمل من كان خيرا منك، يوسف عليه السلام، فقال (أبو هريرة) يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، و أنا أبو هريرة بن أميمة، و أخشى ثلاثا و اثنتين، قال (عمر) فهلا قلت خمسا، قال (أبو هريرة) أخشى أن أقول بغير علم و أقضي بغير حلم و أن يضرب ظهري و ينتزع مالي و يشتم عرضي
هكذا كان الرجل الذي يفترون عليه، و هكذا كان الافتراء في ذلك المقال .. و أكثر من هذا فقد انتقد الكاتب أن أبا هريرة كان يحب المال، بغير أن يدلل على هذا، و لا ينفي التاريخ أن أبا هريرة كان له مال، و لكن تلك الكتب كذلك تذكر انه كان لطيفا و يحب الدعابة ... و نعلم أن عثمان ابن عفان كان مليونيرا و ربما أكثر من هذا، أليس المسلم العزيز القوي اللطيف خيرا من المسلم الكئيب البغيض؟