عنه الله تعالى، و لكنهم لم يجدوا في أنفسهم إلا السخرية و الاستهزاء و التقليل من شأن من اختارهم الله تعالى و هيأهم لنصرة دينه الخاتم، و يسمون هذا نقدا و فكرا
يستطيع النقد و الفكر أن يتعايشا مع التأدب و الاحترام، و علينا أن نجمع بينهم قبل أن نخرج إلى الناس بما في أنفسنا، على الأقل خشية من الناس أن يقولوا إننا ينقصنا الأدب، و لن أقول خشية لله تعالى، و التزاما بروح دينه
آخر ما خرج به علينا أحدهم هو هذا الكلام الذي حاول كاتبه التشكيك في أمانة أبي هريرة رضي الله عنه، و خصوصية الرجل أنه أكثر رواة الحديث رواية، و الهدف المعلن دائما هو التحلل من سنة الرسول عليه الصلاة و السلام، وقد انتقى الكاتب بعض الروايات دون البعض، بل لقد اقتطع من بعض الأحاديث، فذكر من صحيح مسلم أن النبي قال " لا تكتبوا عني غير القرآن و من كتب عني غير القرآن فليمحه"، رغم أن رواية مسلم تقول: "لا تكتبوا عني، و من كتب عني غير القرآن فليمحه، و حدثوا عني و لا حرج، و من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، أليس الاقتطاع من الحديث تضليلا؟، و لن أقول إنه كذب متعمد، فليقله غيري إن شاء أحد أن يقولها، و ليغفر الله للجميع
فالمنع لم يكن من الحديث، و لكنه كان من الكتابة، و من أبسط ما يكون أن نفهم هذا على أنه الخشية من اختلاط غير القرآن بالقرآن، فلما تم جمع القرآن لاحقا و بدأ تباعد العهد بزمن رسول الله و انتشر المسلمون في البلاد فإن التحديث بالكلام لن يكفي و سوف تشتد الحاجة للتدوين، هذا هو المنطق، و في صحيح مسلم كذلك، و في نفس الموضع الذي فيه الحديث المذكور أعلاه، و الذي اقتطع منه كاتب ذلك المقال، قال مسلم كلاما يعتبر عدم نقله برغم نقل الحديث درجة من الكذب، فلقد قال ما يلي: " كان بين السلف من الصحابة و التابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، و أجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها و زال ذلك الخلاف"
ثم أضاف مسلم قائلا " و اختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل هو في حق من لا يوثق بحفظه و يخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، و تُحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من يوثق بحفظه، كحديث "اكتبوا لأبي شاه" و حديث صحيفة علي رضي الله عنه، و حديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض و السنن و الديات، و حديث كتاب الصدقة و نصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين، و حديث أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب و لا أكتب، و غير ذلك من الأحاديث و قيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، و كان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك، أذن في الكتابة و قيل إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط، فيشتبه على القارئ"
فهل نرى العقول المتفتحة في مثل هذا الكلام؟ و هل نرى العقول المنغلقة التي تعيش حولنا؟ ... و لكنك إذا ما حدثتهم الحديث كله قالوا بأنه لا نسخ، و أن الرواة كذابون، و منافقون للحكام ... و هدموا كل ما تم بناؤه على مدي القرون، لكى لا يبقى إلا الخراب