تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بجواب صريح قوي، حتى تمنى مروان أنه لم يكن أثاره، وكانت بينهما وحشة استمرت إلى قرب وفاة أبي هريرة، وكان مما قاله: " إنى أسلمت وهاجرت اختياراً وطوعاً، وأحببت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حباً شديداً، وأنتم أهل الدار، وموضع الدعوة، أخرجتم الداعى من أرضه، وآذيتموه وأصحابه، وتأخر إسلامكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم، فندم مروان على كلامه له واتقاه ".

وروى البخاري عن عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال أخبرني جدي قال: كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ومعنا مروان قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: (هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش) وفي رواية (غلمة سفهاء)، فقال أبو هريرة: " لو شئت أن أقول بني فلان، وبني فلان لفعلت، وكان ذلك كما قال الحافظ في الفتح في زمن معاوية رضي الله عنه، وفي ذلك تعريض ببعض أمراء بني أمية.

بل روي عنه ما هو أصرح من ذلك مما يدل على شجاعته، وعدم مداهنته، فثبت عنه أنه كان يتعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، ويشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة، كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر في الفتح.

ولكنه مع ذلك كله كان منصرفاً إلى بث السنة وخدمة العلم، أبى أن يخوض في الفتنة التي وقعت بين علي و معاوية رضي الله عنهما، كما أبى أن يخوضها عدد من كبار الصحابة، اجتهاداً منهم بأن هذا هو الموقف الأسلم، والأبرأ للذمة.

فهل هذه مواقف رجل متهم في دينه وإسلامه، متشيع لبني أمية كما يريد أن يصوره الأفاكون المبطلون، عليهم من الله ما يستحقون.

ومما شغب به أهل الأهواء على أبي هريرة حديث الوعائين، وهو حديث أخرجه البخاري عنه وفيه يقول: " حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم ".

فقالوا لو صح لترتب عليه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كتم شيئاً من الوحي عن جميع الصحابة سوى أبي هريرة وهذا لا يجوز بإجماع المسلمين، وكيف يخص أبا هريرة بعلم، دون سائر الصحابة ممن هم أرفع منه منزلة وقدراً.

وقد أجاب أهل العلم عن المقصود بهذا الحديث فقالوا: المراد بالوعائين نوعان من الأحاديث التي تلقاها عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، فأما النوع الأول: فهو ما يتعلق بأحاديث الأحكام والآداب والمواعظ، وهذا هو الذي بلَّغه خشية إثم الكتمان، وأما الآخر فهو ما يتعلق بالفتن والملاحم وأشراط الساعة، وما سيقع للناس، والإشارة إلى ولاة السوء، مما لا يتوقف عليه شيء من أصول الدين أو فروعه، فهذا هو الذي آثر ألا يذكر الكثير منه حتى لا يكون فتنة للسامع، أو يسبب له التحديث به ضرراً في نفسه أو ولده أو ماله.

ولعل مما يؤكد ذلك رواية ابن سعد في الطبقات والتي يقول فيها: " لو حدَّثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر، فقال الحسن: " صدق والله، لو أخبرنا أن بيت الله يهدم ويحرق ما صدقه الناس ".

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٥٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٥٦٦