يحدث الناس بما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خروجاً من إثم كتمان العلم، ألجأه ذلك إلى أن يكثر من رواية الحديث، فربما سرد في المجلس الواحد الكثير من الأحاديث، وكان عمر رضي الله عنه، يرى أن يشتغل الناس بالقرآن، وأن يقلوا الرواية عن رسول الله في غير أحاديث العمل، وأن لا يحدث الناس بأحاديث الرخص لئلا يتكلوا عليها، إلى غير ذلك من الأمور، ومن أجل ذلك قال لأبي هريرة ما قال، لأنه كان أكثر الصحابة رواية للأحاديث، فلم يقل ذلك تكذيباً له ولا شكاً في حديثه - وقد ذكر هذا التوجيه الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية -، كما ذكر أنه أذن له في التحديث بعد ذلك. انظر سير أعلام النبلاء (2/ 601).
وهذا التوجيه إنما هو على فرض صحة هذه الرواية وثبوتها، ولكن دون ذلك - كما قال المعلمي في الأنوار الكاشفة - مفاوز وقفار تنقطع فيها أعناق المطي، وقد ذكر ما يثبت عدم صحة الخبر.
وأما ما يروونه من أن عمر رضي الله عنه ضربه بالدرة، وقال له: " أكثرت يا أبا هريرة من الرواية، وأَحْرِ بك أن تكون كاذباً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكل ذلك كذب مفضوح، لا يوجد في أي مصدر معتمد، وإنما هي أخبار مستقاة من مصادر أقل ما يقال عنها، إنها مصادر غير معتمدة في البحث العلمي، ككتب الأدب التي تروي التالف والساقط من الأخبار، أو كتب أهل الأهواء التي عرف أصحابها ببغض أبي هريرة والافتراء عليه، وليس لها أي قيمة علمية.
إذاً فإكثار أبي هريرة من الرواية كان مرجعه إلى طول الملازمة، وعدم الشواغل، والتفرغ للعلم والتعليم والفتيا، وتأخر الوفاة، وعدم الاشتغال بشؤون الحكم والولاية، فهل يجوز بعد ذلك أن تتخذ كثرة روايته، وحفظه للحديث مجالاً للطعن في صدقه وأمانته؟!.
ولم تقف مطاعنهم عند هذا الحد، فقد افتروا عليه بأنه كان متشيعاً لبني أمية، يأخذ من معاوية الأعطيات من أجل وضع الأحاديث في ذم علي رضي الله عنه، مع أن التاريخ والروايات والأخبار كلها تشهد بأن أبا هريرة رضي الله عنه كان محباً لآل البيت، يعرف قدرهم ومكانتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يناصبهم العداء قط، وهو الذي روى الكثير في مناقبهم وفضائلهم، وبوجه خاص فضائل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ومن أشهرها حديث الراية يوم خيبر، وروى في فضائل الحسن و الحسين أكثر من حديث، وهو الذي كشف عن بطن الحسن رضي الله عنه، وقال: أرني أقبل منك حيث رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقبل -، وكان أبو هريرة رضي الله عنه ممن نصر عثمان يوم الدار كما نصره علي وابنه الحسن و الحسين.
بل إن الروايات التاريخية الصحيحة تدل على أنه رضي الله عنه كانت له مواقف صلبة مع بعض الولاة من بني أمية كما في موقفه مع مروان بن الحكم - الذي كان والي المدينة آنذاك، فقد اصطدم معه حين تدخل مروان في منع دفن الحسن عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأغلظ له في الكلام قائلاً: " تدَخَّلُ فيما لا يعنيك "، ولما أراد أن يتخذ مروان من إكثار أبي هريرة للحديث، سبيلاً إلى إسكاته أجابه