وهذا هو الذي ذكره أهل العلم في توجيه هذا الأثر، قال الإمام ابن كثير في " البداية والنهاية ": " وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به، هو الفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع، التي لو أخبر بها قبل كونها، لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق " أهـ.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في " فتح الباري ": " وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكنى عن بعضه ولا يصرح به، خوفا على نفسه منهم، كقوله: " أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان "، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة ..... ثم قال: " ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة، لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها، لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم، وقال غيره: " يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة، وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه، ويعترض عليه من لا شعور له به " أهـ.
وأيا كان تأويل الحديث فليس فيه ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصه بشيء من ذلك دون غيره من الصحابة.
كل ذلك نموذج لما قيل في هذا الصحابي الجليل، وهو يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قاله الأقدمون من أهل الأهواء، بفارق واحد كما قال العلامة " أحمد شاكر " أن أولئك الأقدمين - زائغين كانوا أو ملحدين - كانوا علماء مطلعين، أكثرهم ممن أضله الله على علم، وأما هؤلاء المعاصرون فليس إلا الجهل والجرأة وترديد ألفاظ لا يفهمونها، بل هم فيها مقلدون متبعون لكل ناعق.
وقد تعرض الحاكم رحمه الله في المستدرك لكل من تكلم في أبي هريرة رضي الله عنه، وجعلهم أصنافاً، وكأنما يرد على هؤلاء المعاصرين فقال رحمه الله: " وإنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم، فلا يفهمون معاني الأخبار، إما معطل جهمي يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم - الذي هو كفر - فيشتمون أبا هريرة ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه، تمويهاً على الرعاع والسفل، أن أخباره لا تثبت بها الحجة.
وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف مذهبهم الذي هو ضلال، لم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة.
أو قدري اعتزل الإسلام وأهله، وكفَّر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إثبات القدر لم يجد بحجة يريد صحة مقالته التي هي كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه: أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها.