أكثر، والله الموعد، ويقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه، وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أَرَضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما: (أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا ثم يجمعه إلى صدره فإنه لم ينس شيئا سمعه)، فبسطت بردة علي، حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به، ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا أبدا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون *إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم﴾ (البقرة 159 - 160).
ولا يوجد أبداً نص ثابت يفيد بأن الصحابة رضي الله عنهم شكوا فيه، أو صرحوا بكذبه، أو منعوا من الاستماع إليه، بل نصوص التاريخ الثابتة، كلها تقطع بإقرار الصحابة له بالحفظ، واعترافهم بأنه كان أكثرهم اطلاعاً على الحديث، وربما استغرب أحدهم بعض أحاديثه، ولكنه لا يلبث إلا أن يسلم له، ويقبل منه، ويعترف بإحاطته وحفظه.
ذكر ابن سعد في الطبقات أن أبا هريرة رضي الله عنه حدَّث ذات مرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بحديث (من شهد جنازة فله قيراط)، فقال ابن عمر: " انظر ما تحدث به يا أبا هريرة فإنك تكثر الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيده فذهب به إلى عائشة، فقال: أخبريه كيف سمعتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول، فصدَّقَت أبا هريرة، فقال أبو هريرة: يا أبا عبد الرحمن والله ما كان يشغلني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غرس الوَدِيِّ، ولا الصفق بالأسواق، فقال: ابن عمر: " أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحفظنا لحديثه " وأصله في الصحيح.
وأخرج ابن كثير في تاريخه عن أبي اليسر عن أبي عامر قال: كنت عند طلحة بن عبيد الله، إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد، والله ما ندرى هذا اليماني أعلم برسول الله منكم؟ أم يقول على رسول الله ما لم يسمع، أو ما لم يقل، فقال طلحة: " والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوماً أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكيناً لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يدور معه حيث دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع " وقد رواه الترمذى أيضاً.
كل ذلك يؤكد على أن صدق أبي هريرة لم يكن أبداً محل نزاع أو شك عند الصحابة ولا من بعدهم من التابعين.
وأما ما ورد من أن عمر نهاه عن التحديث، وقال له: " لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس "، فإنه على افتراض صحة هذه الرواية، فقد كان ذلك في ظرف معين، فعندما رأى أبو هريرة رضي الله عنه أن من الواجب عليه أن