، و أبي موسى الأشعري، و معاذ بن جبل، و جابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فمن زعم بعد ذلك أن أبا هريرة غير فقيه فهو العاري عن الفقه.
وقالوا: إنه لم يكن يكتب الحديث، بل كان يحدث من ذاكرته، مع أن ذلك شيء لم ينفرد به أبو هريرة رضي الله عنه، بل هو صنيع كل من روى الحديث من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدا عبد الله بن عمرو بن العاص فقد كانت له صحيفة يكتب فيها.
وادعوا كذلك أنه، لم يكن يقتصر في تحديثه على ما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بل كان يحدث عنه، بما أخبره به غيره، واعتبروا ذلك منه تدليساً، مع أن المعروف عند أهل العلم أن رواية الصحابي عن الصحابي وإسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تسمى تدليساً، بل تسمى إرسالاً، وقد أجمع أهل العلم على الاحتجاج بمرسل الصحابي وقبوله، وأن حكمه حكم المرفوع، لأن الصحابي لا يروي إلا عن صحابي مثله، والصحابة كلهم عدول، فكون أبي هريرة يرسل بعض الأحاديث التي سمعها من غيره من الصحابة هذا أمر لا يعيبه ولا ينقص من قدره، ولا يختص به وحده، فقد كان ذلك شأن كثير من الصحابة الذين لم يحضروا بعض مجالسه - صلى الله عليه وسلم - إما لاشتغالهم ببعض أمور المعاش، وإما لحداثة أسنانهم كابن عباس وغيره، وإما لتأخر إسلامهم، ويؤيد ذلك قول أنس بن مالك رضي الله عنه: " ما كل ما نحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعناه ولكن لم يكذب بعضنا بعضاً "، كما أن الأحاديث التي أرسلها هي شيء يسير مقارنة بما سمعه مباشرة بدون واسطة، وقد تتبع الحافظ العراقي ما رواه عن غيره فجمع عشرين حديثاً فيها ما لا يصح.
وانتقدوا أيضاً كثرة أحاديثه - التي بلغت كما جاء في مسند بقي بن مخلد 5374 - ، مع تأخر إسلامه حيث إنه لم يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاث سنين، مدعين أن بعض الصحابة قد انتقدوه على إكثاره، وشكوا فيه.
وكل باحث متجرد يجزم بأن سبب هذه الكثرة إنما هي طول ملازمته للرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع أحواله، خلال هذه الفترة، مع ما حباه الله من قوة الحفظ والذاكرة، ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، أضف إلى ذلك تفرغه التام من الشواغل والصوارف، فقد كان من فقراء الصحابة ومن أهل الصفة، ليس له أهل ولا ولد ولا مال، وكان يلازم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يقيم به صلبه، ولا شك أن المتفرغ للشيء، المهتم به، المتتبع له، يجتمع له من أخباره، والعلم به في زمن يسير، ما لا يجتمع لمن لم يكن كذلك.
وبعد أن تفرق الصحابة في الأمصار على عهد الخلفاء الراشدين، رأى أن من الواجب عليه، أن يبلغ ما حفظه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أمته، وخاف عاقبة الكتمان إن هو امتنع عن التحديث، فتفرغ للعلم والرواية والتحديث، وكان من الطبيعي أن يثير إكثار أبي هريرة من الحديث استغراب بعض التابعين، ولكن ما أن يبين لهم سبب ذلك، حتى يزول هذا الاستغراب والدهشة، فقد جاء في الصحيحين عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: يقولون: إن أبا هريرة قد