تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صفحات، وأما البخاري فهو وإن لم يعقد له ترجمة خاصة، لكنه ذكر فضائله ضمن أبواب كتابه، ومنها كتاب العلم.

وطعنوا في صدقه وديانته، وأنه إنما أسلم حباً في الدنيا لا رغبة في الدين، وهي دعوى يكذبها كل من يطالع سيرته وترجمته، وما كان عليه رضي الله عنه، من التقشف والانقطاع إلى العلم والعبادة، وتبليغ أحاديثه - صلى الله عليه وسلم -.

ثم بحثوا عن كل عيب يمكن إلصاقه به، حتى ولو كان من الأمور التي لا يعاب المسلم بها، ولا تعلق لها بالحديث والرواية.

فعيروه بفقره وجوعه، ومتى كان الفقر عيباً يعير به الإنسان إلا في منطق المتعالين المتكبرين؟!

وعيروه بأميته، وهل كانت أمية الصحابي سبباً للطعن فيه في أي عصر من عصور الإسلام؟! حتى تذكر من جملة المطاعن، ونحن نعلم أن الكتبة من الصحابة قليل لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.

وجعلوا من لطافة أخلاقه، وطيب معشره مدخلاً للنيل منه، فوصفوه بأنه كان مزاحاً مهذاراً، مع أنه خلق أكرمه الله به، وحببه به إلى الناس، ومتى كان المزاح المباح، والتلطف إلى الناس والتودد إليهم خلقاً معيباً عند كرام الناس، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقاً، ومع ذلك كان يمازح أصحابه ولا يقول إلا حقاً، وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم، فما هو الحرج في المزاح إذا كان مباحاً لا إسفاف فيه، ولا إيذاء لأحد، وفيه من المعاريض التي تدعو إلى إعمال الفكر والنظر، وكل الذي ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه، إنما هو من هذا القبيل، وأما المزاح الساقط، المشتمل على المجازفة ورديء القول والفعل، فحاشا وكلا أن يكون أبو هريرة مما عرف به.

ثم لماذا يركز على هذا الجانب فقط من ترجمة أبي هريرة، وتغفل الجوانب الأخرى التي عرف واشتهر بها بين الناس ورواها كل من ترجم له، أين هي أخبار عبادته وصيامه وقيامه، وتسبيحه وأوراده؟!، أين هي أخبار كرمه وجوده، وزهده وتقشفه وإعراضه عن الدنيا؟!، لماذا لا تذكر هذه الأمور عند التعرض له، لا شك أن وراء الأكمة ما وراءها.

ورموه أيضاً بعدم الفقه وقلة الفهم، وهو محض افتراء على التاريخ، والواقع أنه كان من فقهاء الصحابة، ومن كبار أئمة الفتوى، كما يذكر ذلك أهل التراجم والطبقات فقد ذكره ابن سعد أنه ممن كانوا يفتون بالمدينة منذ مقتل عثمان إلى أن توفي رحمه الله، وهذا يعني أنه مكث يفتي الناس على ملأ من الصحابة والتابعين ثلاثة وعشرين عاماً، وكان يعارض أجلاء الصحابة كابن عباس في بعض المسائل، وعده ابن حزم في فقهاء الصحابة، وكذا الحافظ بن حجر في الإصابة، وجمع تقي الدين السبكي جزءاً في فتاوى أبي هريرة، وقال الإمام الذهبي في " تذكرة الحفاظ ": أبو هريرة الدوسي اليماني، الحافظ الفقيه، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة والعبادة والتواضع " أهـ، وعندما ذكر ابن القيم في " إعلام الموقعين " المفتين من الصحابة، وأنهم كانوا بين مكثر ومقل ومتوسط، ذكر أبا هريرة من المتوسطين مع أبي بكر الصديق

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٥٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٥٦٢