وأما " أ بو رية " - عامله الله بما يستحق - فقد كان أفحش، وأسوأ أدباً من كل من تكلم في حق أبي هريرة من المعتزلة والرافضة، والمستشرقين قديماً وحديثاً، مما يدل على سوء نية وخبث طوية، حيث عرض لترجمته في كتابه " أضواء على السنة المحمدية "، فيما يربو على خمسين صفحة لم يدع منقصة، ولا مذمة إلا ألصقها به، وألف كتاباً مستقلاً ضمنه كل إفك وبهتان، وملأه بكل جارح من القول، وتهجم فيه على أبي هريرة وغيره من الصحابة، ورماهم بالكذب والاختلاق، وسمى كتابه " شيخ المضيرة أبو هريرة "، وهو عنوان يقطر حقداً وسخرية وتنقصاً لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا الكتاب يرجع إليه ويعتمد عليه كل من لا خلاق له ممن يطعن في الصحابة ويسبهم، وتدور مطاعنه، في احتقاره، وازدراء شخصيته، واتهامه بعدم الإخلاص في إسلامه، وعدم الصدق في حديثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحبه لبطنه وللمال، وتشيعه لبني أمية إلى غير ذلك من الإفك والبهتان
وسنعرض لشيء من هذه المطاعن على جهة الإشارة، لا على جهة الحصر والاستقصاء، والوقوف عند التفصيلات والأمثلة، فذلك أمر يطول، وقد كفانا مؤنة ذلك الأئمة والعلماء الذين قيضهم الله عز وجل للدفاع عن هذا الصحابي الجليل، فردوا كل ما قيل في حقة من مطاعن وافتراءات، وكشفوا نوايا هؤلاء المغرضين، وبينوا الحق من الباطل، وميزوا الطيب من الخبيث، في بحوث ودراسات علمية معروفة ومتداولة، قائمة على النزاهة في البحث، بعيدة كل البعد عن الهوى والعصبية، ويمكن لكل طالب حق أن يرجع إليها، ليعرف شهادة التاريخ الصادق، ورأي صحابة رسول الله، وعلماء التابعين، وأئمة المسلمين، في هذا الصحابي الجليل، ويقارن بعد ذلك بين هذه الصورة المشرقة، وبين الصورة التي أراد هؤلاء أن يظهروه بها.
فقد غضوا من شأنه، وطعنوا في أصله ونسبه، مدعين أنه لم يكن معروفاً في أوساط الصحابة، وأنه كان غامض الحسب، مغمور النسب، ولم يعرف إلا بكنيته، بدلالة أن الناس اختلفوا في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، مع أن الخلاف لا يتجاوز عند التحقيق ثلاثة أقوال كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ونحن نجد عشرات الصحابة اختلف في أسمائهم إلى أكثر من ذلك، وكثير منهم إنما اشتهروا بكناهم لا بأسمائهم، فلماذا هذا التشويش بالذات على أبي هريرة رضي الله عنه، ومتى كان الاختلاف في اسم الرجل يشينه أو يسقط من عدالته؟؟.
وزعموا أنه كان مغموراً، لم يذكر في طبقات الصحابة، وليست له أي فضيلة أو منقبة، مع أن المعروف من ترجمته أنه كان ممن هاجر بين الحديبية والفتح في العام السابع من الهجرة، وأنه صاحَب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولازمه ما يربو على ثلاث سنين، ويكفيه ذلك فضلاً وشرفاً، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - له ولأمه أن يحببهما إلى عباده المؤمنين كما في الصحيح، وكان عريف أهل الصفة، وهم أضياف الإسلام، وأحباب النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذكره الإمام مسلم فيمن لهم فضائل من الصحابة، وعقد له الإمام النووي باباً في شرحه على مسلم، وذكر الحاكم في مستدركه جملة صالحة من مناقبه استغرقت بضع