يقول: ﴿كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار﴾ ويا للأعجوبة! محمد صلى الله عليه وسلم من علم الإنسان، وأيقظ الإنسان، ورباه يركب حماراً، ويردف معه معاذاً.
يقول صلى الله عليه وسلم: ﴿يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم -انظر إلى الأدب وعدم التدخل، وانظروا إلى السكينة والوقار والتثبت مع معلم البشرية- فقال: يا معاذ! حق الله على العباد، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى قليلاً، وقال: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم﴾ ونقلها معاذ رضي الله عنه عند موته يوم صارعه الموت، يوم ازدحمت الزهقات عند حلقة، أداها للأمة لكي لا يموت وفي صدره حديث ما بلغه للأمة .......
معاذ وأهل اليمن
وأتى أهل اليمن، فقال صلى الله عليه وسلم: ﴿أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوباً وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية﴾ فطلبوا المعلم يعلمهم كتاب الله، وشرعه ورسالته أتدرون من يختار؟ ومن يرشح على هذه الأمة؟ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه واستقرأ في نفوسهم اليقظة والعلم وكمال الاهتمام، ومن يقوم بهذه المهمة، فقال: ﴿يا معاذ! قم واذهب مع أهل اليمن داعية ومعلماً، وقال له: يا معاذ! لعلك لا تراني بعد اليوم إلا عند الله، فبكى معاذ رضي الله عنه، وارتفع بكاؤه -وحق له أن يبكي- عند ساعة الفراق، فقال صلى الله عليه وسلم: يا معاذ! لا تبكِ، ولا تجزع فإن الجزع من الشيطان، ثم قال له: أوصيك يا معاذ! أن تتقي الله، وتذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر، ثم قال له: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ فأخذها معاذ وهو يبكي؛ وصية ما سمع التاريخ ولا سمعت الدنيا بمثلها: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾ في أي مكان كنت وتحت أي سقف وجدت، وفي أي مكان عشت، لأن الله معك، قال تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] فاتق الله حيثما كنت.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة ... والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها ... إن الذي خلق الظلام يراني
إذا كانت النفس داعية إلى أن تقتحم حدود الله وتنتهك حرمات الله، فاستحي من نظر الإله وقل لها: إن الذي خلق الظلام يراني، ولذلك يقول سليمان عليه السلام: تعلمنا مما تعلم الناس، ومما لم يتعلم الناس، فلم نجد كتقوى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وانطلق معاذ مع أهل اليمن، وقبل أن ينطلق قال له صلى الله عليه وسلم: ﴿يا معاذ! ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله كتب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاه تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم﴾ هكذا تدرج الداعية، وهكذا تبليغ الناس، الأولويات فالأولويات، والقضايا الكبرى فالكبرى،