ولا ينفع الإسلام أو الدعوة الإسلامية أن تطرح للناس جملة، بل نقطة نقطة، فإن هم حققوها فلتأتِ الثانية.
أما الدعاة الذين يريدون أن يسلم الناس في يوم واحد، وأن يتمثل الإسلام في يوم واحد، فإنهم سوف يخفقون ولو طالت بهم الأعمار، التفت رضي الله عنه إلى المدينة، وتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم، لعلك لا تراني بعد هذا اليوم إلا عند الله تبارك وتعالى؛ فبكى على تلال المدينة وهو يودع طيبة الطيبة، وينظر إليها:
أقول لصاحبي والدمع جار ... وأيدي العيس تخدي بالرمال
تمتع من شميم عرار نجد ... وهل بعد العشية من عرار
وذهب رضي الله عنه وأرضاه، واستقبلوه هناك في اليمن فعلمهم علماً جما، تواضع لهم وخالقهم فكسب قلوبهم، ورأوا فيه الزاهد والعابد، والقانت الأواب، فأحبوه أكثر من أطفالهم، وأكثر من أرواحهم التي بين جنوبهم.
معاذ في ولاية الصديق رضي الله عنهما
وتولى أبو بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع معاذ وهو في اليمن بأعظم مصيبة في تاريخ الإنسان:
وإذا دهتك من الأمور بلية ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
فعاد ووصل إلى المدينة، وعانق أبا بكر، وأبو بكر قد تولى شئون الأمة، وأعلن سياسة حكومته الجديدة على الكتاب والسنة، فبكى أبو بكر ومعاذ وقال أبو بكر: [[تخلفنا -يا معاذ - بعد رسول الله لتلعب بنا الشياطين، فأخذ معاذ يقول: لم تلعب بك الشياطين ومعك كتاب الله]] وذهبا إلى فاروق الإسلام، فقال الفاروق عمر بن الخطاب: أتيت لأحاسبك على رواتبك التي أخذت في فترة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: والله ما أخذت من أموالكم درهماً ولا ديناراً وأنت لست الخليفة إنما هو أبو بكر، قال: أنا أبو بكر وهو أنا، كلنا في الحق سواء، فقال معاذ: لن أدفع لك شيئاً، والله ما أخذت إلا من تجارة حلال، ونام معاذ رضي الله عنه، ورأى كأن بحراً هائجاً أمامه، ويرى أنه يكاد يغرق فيه، وإذا بعمر يجره رضي الله عنه وأرضاه، فيأتي إلى عمر في الصباح ويبكي ويقول: يا أخي! رأيت في المنام بحراً كدت أن أغرق فيه، وإذا أنت ممسك بيدي، فاذهب معي إلى أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحاسبنا على هذا المال، وذهبا جميعاً فقال أبو بكر: غفر الله لك يا عمر! وغفر الله لك يا معاذ! والله لا آخذ منك درهماً واحداً ولا ديناراً، فطابت نفس معاذ، وما كان أبو بكر ليترك درهماً واحداً؛ لأن هذا الدين بني على الحق والعدالة، ساعة تعملها تأخذ أجرها، وساعة لا تعملها فلا حق لك، لن تداجيك داجية، لا على الله ولا على ولاة الأمور أن تصرف في غير استحقاقها، وتسجل بأوراق زور ثم تسحب هذه الأموال في امتدادات، وهي في غير امتدادات وهي كاذبة خاسرة، ولا دوام هناك إضافي، إنما ما عملته أخذت أجره، ليكسبك الله كسباً وفيراً، الحلال المبارك، فتأكل حلالاً، وتشرب حلالا وتغذي أبناءك بالحلال، أما أن تقيم بيتك على الكذب والزور فهذا ليس في شرع الله، فسامحه أبو بكر وما كان له أن يتخلى عن درهم واحد، ورضي معاذ رضي الله عنه بكسبه، واستمرت الحياة به رضي الله عنه وأرضاه، يعلم الناس بلطف وأناة ووقار وكان يتذكر في يومه وليلته الموت، كلما