تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالسلام عليك يا معاذ بن جبل، السلام عليك يوم ولدت ويوم أسلمت ويوم مُتّ ويوم تبعث حياً، السلام عليك يوم دعوت إلى الله في اليمن، فأسلم معك أهل اليمن، واستضاءوا بنورك.

عرف معاذ محمداً صلى الله عليه وسلم فأحبه كل الحب، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يستأسر الأرواح بالحب لا بالسوط أو السيف، أرأيتم المغناطيس كيف يجر الحديد، إنه حب أدهى من ذلك وأعلى.

ما بنى جملة من اللفظ إلا ... وابتنى اللفظ أمة من عفاء

يخرج صلى الله عليه وسلم فيشبك يده الطاهرة الشريفة التي ما سفكت دماً ولا عاثت بمال حرام، ولا مست جسماً مشبوهاً ولا خانت عهداً ولا خاست بوثيقة، يشبكها في يد معاذ رضي الله عنه، ويقول: ﴿يا معاذ! والذي نفسي بيده إني لأحبك، لا تدع في دبر كل صلاة إلا تقول: اللهم أعني على ذكرك شكرك وحسن عبادتك﴾ يا لروعة الكلام! فأخذها معاذ رضي الله عنه وأرضاه ليقولها دائماً، وإذا لم يعنك الله ويساعدك على العبادة، فلا عبادة ولا قوة ولا هداية لك، قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام مادحاً معاذاً رضي الله عنه: ﴿أعلم أمتي بالحلال والحرم معاذ﴾ ويقول فيه: ﴿يأتي معاذ رضي الله عنه يوم القيامة أمام العلماء برمية حجر﴾ حسناته فائضة، وقد كان ذكياً يعرف من أين يحفظ، ومن أين يبدأ وإلى أين سينتهي.

دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني عن النار

سافر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وكان رديفاً للرسول صلى الله عليه وسلم، فسأله سؤالاً هو أعظم سؤالٍ في تاريخ الإنسانية، قال: يا رسول الله! المسألة إليك، هل يسأله إمارة أن يؤمره، أو يسأله منصباً أو أرضاً يحييها، وقد أحيينا الأراضي وأمتنا القلوب، أمتنا قلوبنا فما أحييناها، ودمرنا بيوتنا فما ربيناها وما علمناها، ما تركنا شعباً إلا وأقمنا فيه قصوراً وبيوتاً، وتركنا قلوبنا وما أقمنا فيها لا إله إلا الله، قال صلى الله عليه وسلم: ﴿سل ما بدا لك، قال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار﴾ هكذا يسأل العظماء، والذين يريدون الله والدار الآخرة فيجيبهم صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: والصوم جنه -أي: وقاية من النار- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك يا معاذ على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه، فقلت: يا رسول الله! أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾ وصية جامعة مانعة فحفظها معاذ رضي الله عنه، فكانت في ذهنه دائماً، ولذلك قدم لنا معاذ أعظم حديث في العقيدة،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٥٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٥٤٧