الخليفة – إذا كان خُلُقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خُلُق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين؛ ليعتدل الأمر؛ ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يُؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ لأن خالدًا كان شديدًا كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينًا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يتولى من ولاه ليكون أمره معتدلاً".
ويؤيد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أن عمر رضي الله عنه لما كان يسعى إلى عزل خالد أيام أبي بكر رضي الله عنه كان يقول: "اعزله؛ فإن في سيفه رهقًا، فقال أبو بكر: لا أشيم – أي لا أغمد – سيفًا سلَّه الله على الكفار".
قال ابن كثير رحمه الله: "والمقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرِّض الصديق ويذمِّره على عزل خالد عن الإمرة، ويقول: إن في سيفه لرهقًا، حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، وقد لبس درعه التي من حديد، وقد صدئ من كثرة الدماء ... "إلخ.
ويشهد لشدة خالد أيضًا قتله للأسرى لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني جذيمة؛ فقتل الأسرى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فَوَدَاهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى رد إليهم ميلغة الكلب، ورفع يديه، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
قال الخطابي رحمه الله: الحكمة في تبرُّئه صلى الله عليه وسلم من فعل خالد – مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدًا – أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك، خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله"اهـ. ملخصًا.
وقال ابن بطال رحمه الله: "الإثم وإن كان ساقطًا عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم، لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر؛ مع الاختلاف: هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أم بيت المال؟ ". قال الحافظ ابن حجر متعقبًا قول ابن بطال رحمهما الله تعالى: "والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة؛ فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود".
وكذلك قتله رضي الله عنه لمالك بن نويرة اليربوعي، وملخص خبره: أن مالكًا صانع سَجَاحًا التميمية التي ادعت النبوة، ثم ندم مالك على ما كان منه، وقصد خالد البطاح وعليها مالك، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان من مالك بن نويرة فإنه متحير في أمره، متنحٍّ عن الناس فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت فيهم السرية؛ فشهد أبو قتادة – الحارث بن ربعي الأنصاري – أنهم أقاموا الصلاة. وقال آخرون: إنهم لم يؤذِّنوا ولا صلوا، فيقال: إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة باردة شديدة البرد، فنادى منادي خالد أن دفئوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم .. فلما بلغ ذلك خالدًا قال: إذا أراد الله أمرًا أصابه.
السبب الثاني:
أن عمر رضي الله عنه عزل خالدًا رضي الله عنه لما كان ينفق من أموال الغنائم دون الرجوع إلى الخليفة، كما روى الزبير بن بكار رحمه الله تعالى قال: "كان خالد