الصحابة رضي الله عنهم من فراغ عن أي خلفيات فكرية مترسبة قد تؤثر بالحكم سلبًا أو إيجابًا على الروايات المنقولة عنهم.
والمقصود من هذه المقدمات التي يقدمونها في كتاباتهم الطاعنة في خير البشر بعد النبيين إكساب القارئ الطمأنينة فيما يكتبون، وجعل أنفسهم محل ثقته وقبوله.
ولا خير فيمن يكتب عن رجالات الأمة الفضلاء وهو يعلن عدم انحيازه لهذه الأمة؛ بل اتخذ بديلاً عنهم أعداء الإسلام من المستشرقين والمبتدعة، فانحاز إليهم بفكره وقلمه، ثم إذا هو يزعم الموضوعية والحياد فيما يكتب، وكاد المريب أن يقول: خذوني!!
وخلال سنوات مضت وقفت على كتابات عدة من مقالات ودراسات وقصص تبرز مسألة عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد رضي الله عنهما، عن قيادة الجيوش، وتُسلِّط الأضواء على روايات ونقول لا تليق بمقام الصحابة الجليل، وتتغافل عن المتواتر من المنقول الذي يُظهر حقيقة ما كانوا عليه من الإيمان والتقوى والورع والتجرد في أقوالهم وأفعالهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.
وراح كثير منهم ينسج جملة من الأوهام والترهات المستندة إلى روايات منكرة باطلة، ويزيدون عليها ألف كذبة من ترهات عقولهم المريضة، وأحقادهم الدفينة، شأنهم شأن الكهان، ثم سمعت عمن يتناقل شيئًا من ذلك عبر الفضائيات في حوارات وندوات.
وليس الأمر كما ذكر المفتونون في دينهم، المخذولون بالقَدْح في الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ إن الأمر لا يعدو أن يكون اجتهادًا رأي فيه الفاروق مصلحة المسلمين، وكان هذا الاجتهاد من عمر رضي الله عنه، نتيجة لأعمال عملها خالد رضي الله عنه، كان مجتهدًا فيها أيضًا، أصاب في بعضها وأخطأ في بعضها، وكلاهما رضي الله عنهما بين أجر وأجرين.
أسباب عزل عمر لخالد رضي الله عنهما:
اختلف أهل السير والمغازي في السبب الذي جعل عمر يعزل خالدًا عن قيادة الجيوش، وحاصل ما ذكروا أسباب ثلاثة:
السبب الأول: أن عزله كان بسبب شدته، وكان عمر رضي الله عنه شديدًا فما أراد أن يكون الخليفة شديدًا وقائد الجيوش كذلك.
وكان أبو بكر رضي الله عنه لينًا فناسب أن يكون قائد جنده شديدًا، فلما ولي عمر عزل خالدًا وولَّى أبا عبيدة، وكان أبو عبيدة لينًا، فناسب مع أبي بكر ولينه خالد وشدته، وناسب مع عمر وشدته أبو عبيدة ولينه رضي الله عنهم.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالدًا وولَّى أبا عبيدة بن الجراح، وأمره أن يستشير خالدًا؛ فجمع للأمة بين أمانة أبي عبيدة وشجاعة خالد".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه: "وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الردة، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزله من أجلها بل عاتبه عليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير – أي