إذا صار إليه المال قسمه في أهل الغنائم، ولم يرفع إلى أبي بكر حسابًا، وكان فيه تقَدُّمٌ على أبي بكر، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر".
ونقل الزبير بن بكار عن مالك بن أنس قوله: "قال عمر لأبي بكر: اكتب إلى خالد لا يعطي شيئًا إلا بأمرك. فكتب إليه بذلك، فأجابه خالد: إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك بعملك. فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزئ عني جزاء خالد؟ قال عمر: أنا. قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، فمشى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقالوا: ما شأن عمر يخرج وأنت محتاج إليه؟ وما بالك عزلت خالدًا وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟ قالوا: تعزم على عمر فيقيم، و تكتب إلى خالد فيقيم على عمله، ففعل، فلما تولى عمر كتب إلى خالد أن لا تعطِ شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر. فقال عمر: ما صدقتُ اللهَ إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه فعزله، ثم كان يدعوه إلى أن يعمل فيأبى إلا أن يخليه يفعل ما يشاء، فيأبي عمر".
ويؤيد ذلك ما نُقل عن عمر من قوله: "إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه، وما كان يصنع في المال".
وذكر الحافظ ابن كثير ذلك فقال: "وقيل: عزله؛ لأنه أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف، حتى إن خالدًا لما عُزل ودخل على عمر سأله: من أين لك هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف؟ فقال: من الأنفال والسهمان".
ويؤيده ما رواه الإمام أحمد بسند جيد، أن عمر رضي الله عنه اعتذر من الناس في الجابية فقال: "وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضَعَفَة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللَّسَانة، فنزعته وأمَّرت أبا عبيدة".
السبب الثالث:
أن عمر عزل خالدًا رضي الله عنهما خشية افتتان الناس به، فإن خالدًا رضي الله عنه ما هُزم له جيش لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وقد جمع الله تعالى له بين الشجاعة والقوة والرأي والمكيدة في الحرب، وحسن التخطيط والتدبير والعمل فيها، وقلَّ أن تجتمع هذه الصفات في شخص واحد.
ويدل على ذلك:
1 - ... أن عمر رضي الله عنه كتب إلى الأمصار: "إني لم أعزل خالدًا من سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فُتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع".
2 - ... ما رواه سيف بن عمر أن عمر رضي الله عنه قال حين عزل خالدًا عن الشام، والمثنى بن الحارثة عن العراق: "إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله تعالى نصر الدين لا بنصرهما، وأن القوة لله جميعًا".
3 - ... قول ابن عون: "ولي عمر فقال: لأنزعنَّ خالدًا حتى يُعلم أن الله تعالى إنما ينصر دينه. يعني بغير خالد".
فقد يكون عزله لسبب من هذه الأسباب أو لها مجتمعة، ورأى عمر رضي الله عنه المصلحة في عزله.