تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. قال: دعوني، فإن الله سيمنعني. ثم ذهب إلى الكعبة، وكان في وقت الضحى، فجلس ورفع صوته بالقرآن، وقرأ مسترسلاً: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. الرحمن. علم القرآن﴾ [الرحمن: 1 - 2]، فنظر إليه أهل مكة في تعجب ودهشة، فمن يجرؤ على أن يفعل ذلك في ناديهم؟ وأمام أعينهم؟! فقالوا في دهشة: ماذا يقول ابن أم عبد؟!

ثم أنصتوا جيدًا إلى قوله، وقالوا في غضب: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، ثم قاموا إليه، وضربوه ضربًا شديدًا، وهو يستمر في قراءته حتى أجهده الضرب، وبلغ منه الأذى مبلغًا عظيمًا، فكفَّ عن القراءة، فتركه أهل مكة وهم لا يشكون في موته، فقام إليه أصحابه، وقد أثَّر الضرب في وجهه وجسده، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا (أي أفعل ذلك مرة أخرى)، قالوا: لا، لقد أسمعتهم ما يكرهون.

وهاجر ابن مسعود الهجرتين، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الزبير بن العوام -رضي الله عنه- في المدينة، وكان ابن مسعود من أحرص المسلمين على الجهاد في سبيل الله، شارك في جميع غزوات المسلمين، ويوم بدر ذهب عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبشرًا له، وقال: يا رسول الله، أني قتلت أبا جهل، ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:، ووهبه سيف أبي جهل مكافأة له على ذلك.

وكان ابن مسعود أعلم أصحاب رسول الله بقراءة القرآن، ومن أنداهم صوتًا به، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل) [البخاري].

وقال صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) [البزار].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب سماع القرآن منه، فقال له ذات مرة: (اقرأ عليَّ)، فقال عبد الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (أني أحب أن أسمعه من غيري)، فقرأ ابن مسعود من سورة النساء حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [النساء: 14]، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (حسبك الآن) [البخاري].

وكان ابن مسعود يقول: أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة. وكان يقول عن نفسه كذلك: أني لأعلم الصحابة بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله سورة ولا آية إلا وأنا أعلم فيما نزلت ومتى نزلت.

وكان عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، فلما كان العام الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم عرضه عليه مرتين، وحضر ذلك عبد الله بن مسعود، فعلم ما نسخ من ذلك وما بدل.

وقال حذيفة -رضي الله عنه-: لقد علم المحفظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن مسعود كان من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة، وأعلمهم بكتاب الله. وكان عبد الله شديد الحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وظل

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٤٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٤٥٣