تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان، فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك".

فقال النجاشي "هل معك مما جاء به الله من شيء"؟ فقال له رضي الله عنه: "نعم" وقرأ عليه من سورة مريم، فبكى النجاشي وبكت أساقفته، ثم قال النجاشي: "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة! " ثم قال لعمرو بن العاص وصاحبه: "انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يُكادون".

وكان الملك قد استمع إلى عمرو بن العاص الذي أثاره ضد المسلمين أبناء الجالية قبل أن يرسل في طلبهم، ولما جاء رسول النجاشي إلى المسلمين اجتمعوا ليتشاورا فيما سيقولونه للملك إن سألهم عن دينهم، فاتفقوا جميعاً على رأي واحد حيث قالوا: "نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا، كان في ذلك ما هو كائن". وأود هنا أن أستنتج مجموعة من العناصر في الخطاب الإسلامي الذي قد قدمه أبناء الجالية المسلمة في الحبشة وهي:

1 الصراحة والوضوح وعدم الظهور بوجهين، والالتزام بالمبدأ والصدق. وكذلك الخطاب الإسلامي في عصرنا يجب أن يتحلى بمعاني الشفافية والصدق، وأن يعتمد في طرحه على المبدئية في الخطاب، وألا يكون خطاباً تصالحياً انهزامياً في حال الضعف، وعدائياً استئصالياً في حال القوة والتمكين.

2 نبذ القيم الهدامة والرذائل والعادات الضارة، حيث يسعى الإسلام لتطهير المجتمعات والشعوب من أدران الجهل والتخلف والفحش والرذيلة والظلم. ويساند كل القوى في العالم التي تدعو لأن تحل مبادئ العدل والمساواة والعلم بدل مبادئ الطغيان والظلم والجهل.

3 الاعتزاز بالتراث والحضارة والموروث. وحري بأبناء الجاليات المسلمة في الغرب اليوم أن يفخروا بدينهم وموروثهم الحضاري، ويترجموا ذلك في محاضرات ومؤتمرات وندوات ودراسات تعبر عن افتخارهم بدينهم ودعوتهم، ويقينهم بقدرته على إصلاح المجتمعات والارتقاء بها.

4 بيان محاسن الإسلام. وأشعر في هذا الخطاب كأن جعفراً رضي الله عنه يريد أن ينبه كل متحدث باسم الجالية المسلمة في أي مكان أن يكون منطلق خطابه إظهار محاسن هذا الدين، وتأكيد التزام أبناء الجالية به نظرياً وفعلياً. 5 نطبق ما اعتقدناه فلا يكفي أن نرفع شعارات القيم والمبادئ والأخلاق ونسطر معانيها في الصحف والمجلات، فإن تكلمنا عن حقوق المرأة مثلاً لابد أن نبرهن ذلك بحسن تعاملنا معها، وإن تحدثنا عن احترام الإسلام للأديان الأخرى فعلينا ألا نسب أتباعها أو ننظر لهم نظرة دونية، ونحن في بلادهم وعلى أرضهم.

6 استمالة المجتمع المحيط للتعاطف مع أطروحاتنا، فحينما ندخل على مجتمع نحن فيه أقلية بثقافاتنا وعقيدتنا، لا بد من استمالة هذا المحيط للتعاطف معنا بدل الاصطدام به ومعاندته التي لا تجلب لأبناء الجالية سوى الانحسار والتشرذم.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٤٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٤٤٢