وفي العام الثامن من الهجرة، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا إلى الشام لقتال الروم، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة أميرًا على الجيش وقال: (عليكم بزيد بن حارثة، فإن أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة) [أحمد والبخاري]. ودارت معركة رهيبة بين الفريقين عند مؤتة، وقتل زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر، ومضى يقاتل في شجاعة وإقدام وسط صفوف الروم وهو يردد بصوت عالٍ:
يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيَّبَةٌ، وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا كَافِرَةٌ بَعيِدَةٌ أنْسَابُهَا
عليَّ إِذْ لاقيتها ضرابها
وظل يقاتل حتى قطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فقطعت هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد. يقول ابن عمر: كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه فوجدناه وبه بضع وتسعون جراحة، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم خبر استشهاده، فذهب إلى بيت ابن عمه، وطلب أطفال جعفر وقبلهم، ودعا لأبيهم -رضي الله عنه-.
----------------
جعفر الطيار .. ولغة الخطاب الإسلامي
د. فاروق عاشور
لا شك أن سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تزخر بكل معاني الهداية والاقتداء للمسلمين على مر الأزمان والعصور، وخاصة المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي.
ولكن أريد أن أعرض لنموذج مشرق جميل يفصح عن نظرة إسلامية ثاقبة لفقه الواقع والمكان، ولكنه نموذج خاص بالمسلمين في الغربة. والحديث يبدأ حينما هاجر المسلمون إلى الحبشة، وقد خرج هؤلاء الصحابة من بلادهم ليصبحوا جالية إسلامية في بلد غريب عنهم بعاداته وتقاليده وديانته وأعرافه. وما إن حطت هذه الجالية المسلمة رحالها في أرض الحبشة، حتى بدأت تكابد ظروف الحياة الجديدة في الغربة بكل ما تحمله من معانٍ إيجابية أو سلبية.
ولا يخفى ما كان من أمر عمرو بن العاص ومحاولاته مع ملك الحبشة من أجل إعادة المسلمين إلى مكة، حتى وصل الأمر أن استدعى الملك المسلمين لاستجوابهم وسماع وجهة نظرهم في العديد من القضايا والشبهات المثارة حولهم، فكان الخطاب الإسلامي الواعي الذي صرح به رئيس الجالية المسلمة جعفر بن أبي طالب. وأترك المجال هنا لجعفر الطيار حتى نرى صورة مشرقة للخطاب الإسلامي للجالية في الغربة.
فبعد أن سأله الملك عن هذا الدين؟ ولماذا فارقوا دينهم لاتباعه؟ ولماذا لم يدخلوا في دين الملك بدل دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال جعفر: "أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، وأمرنا بصدق