7 إظهار إيجابيات ومحاسن المجتمع المضيف "فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك"، ولا شك أن لكل مجتمع عادات وتقاليد وقوانين وموروثات إيجابية، يمكن أن يتوسم فيها أبناء الجالية المسلمة نوعاً من العدل والإنصاف، فلا بد من الاندماج في المجتمع وسبر أغواره لمعرفة هذه الإيجابيات والتعامل معها وفق منهجية تنمي جوانب الخير. كما لا بد من إرجاع الفضل لأهل الفضل وشكر المجتمع المستضيف لهذه الجالية بما هو أهله، والشكر لا يعني كلمة نقولها ونعمل عكسها، بل انضباط والتزام واحترام للعادات والتقاليد والقوانين، وحب صادق للبلد المضيف وأهله.
8 محاكاة دائرة الاهتمام وأقصد بها أن يكون طرحنا متطرقاً لقضايا تهم المجتمع وتشغل باله وقريبة منه، وأن نراعي في خطابنا للمجتمع أموراً تثير انتباهه ويشعر بأنها تخصه بالدرجة الأولى (وقد فعل جعفر ذلك حين طلب منه الملك أن يقرأ عليه شيئاً من القرآن، فكان في قمة الوعي والذكاء حيث اختار سورة مريم ليقرأها على الملك والأساقفة الذين كانوا على النصرانية)، وقد كان خطاب جعفر مؤثراً فيهم لدرجة أن النجاشي وحاشيته لم يتمالكوا أنفسهم من البكاء والخشوع.
9 إظهار الألفة والتفاهم بين أبناء الجالية وقد تكون هذه القضية أحد أهم أسباب معاناة أبناء الجاليات الاسلامية في الغرب عموماً، وأظن أن أبناء الجالية في أوكرانيا أيضاً يكتوون كل يوم بسبب فقدانهم لعنصر التفاهم والتآلف، وهذا يظهرنا بمظهر المشوه المفلس أمام المجتمع، إذ كيف نستطيع أن نخاطب المجتمع وندعوه إلى أخوة الإنسانية، والتفاهم وقبول الرأي الآخر، ونحن كأبناء جالية ودعاة وحدة نتنازع ونتحاقد فيما بيننا. أما أبناء الجالية المسلمة في الحبشة فكانوا غير ذلك، إذ إنه حين دعاهم الملك أجمعوا على رأي واحد، فلم يتخلف منهم عن هذا الرأي أحد.
10 معايشة هموم أهل البلاد، فأنت كعنصر ينتمي إلى جالية تقيم في أوكرانيا لا بد أن تعيش هموم هذه البلاد وأفراحها وأتراحها، تعيشها بروحك ووجدانك وضميرك وجسدك. تفرح لفرحها، وتتأثر لألمها ومصابها.
ومن المصادفة أيضاً أن هذا حدث للجالية المسلمة في الحبشة؛ حيث قام أحد المناوئين للنجاشي بمحاولة انقلابية على حكمه أثناء وجود المسلمين في الحبشة، فكان المسلمون شديدي الحرص على وحدة الحبشة، واستقرار الحكم فيها فعرضوا أنفسهم على الملك ليستخدمهم في الدفاع عن وحدة البلاد والدولة، إلا أنه رفض أن يعرضهم لخطر الحرب، وآثر أن يؤمّن وجودهم حتى لا يمسهم أحد بسوء.
هذه معانٍ جالت في خاطري وأنا أقرأ تلك الكلمات المشرقة لجعفر بن أبي طالب، ومن معه من أبناء الجالية المسلمة في أرض الحبشة، وكيف استطاعوا ببلاغة خطابهم ووضوحه وقوة إقناعه، وملامسته لواقع البلاد والعباد، وتميزه بالعزة والوحدة والانتماء، وإقراره باحترام الآخر وحقه، وشفافيته وصدقه، كيف استطاع هذا الخطاب أن يؤمّن لأبناء تلك الجالية حياة كريمة في أرض الحبشة، محفوظة برعاية الملك وإشرافه، حتى إنه أصدر قراراً ملكياً يقول فيه: من آذى أحداً من المسلمين فأغرموه ثمانية دراهم. فمتى يعمد أبناء الجالية المسلمة في الغرب عموماً