مثل بلال بن رباح وعمار بن ياسر، وقلوب اهلها اصبحت جامدة وقاسية مثل جبالها، مثل قلب ابي جهل وابي لهب وغيرهما من زعماء مكة. وبعد ان مكث مصعب في الحبشة عاد الى مكة، ليكون ذلك الوداع الاخير والحزين بينه وبين امه، التي قالت له: “اذهب لشأنك لم اعد لك أما، قسما بالثواقب لا ادخل في دينك فيضعف عقلي”. فإذا به يترك امه وقلبه يعتصر من الألم ويتمزق من الحزن.
المهمة الدعوية
وبعد بيعة العقبة اختار الرسول صلى الله عليه مصعب بن عمير ليدعو الى الاسلام ويعلم القرآن لمن اسلم من أهل يثرب، فهاجر الى المدينة وهناك اخذ يدعو اهلها الى الاسلام وهي مهمة شاقة وفي غاية الخطورة ولكن بسبب اخلاقه الحميدة وحسن بلائه واخلاصه وكياسته دخل اغلب سكان المدينة الاسلام، وهناك مواقف تدل على ذلك ففي احد الايام جاء اليه أسيد بن حضير وكان في زعماء المدينة هو في قمة الغضب كأنه بركان ثائر فقال لمصعب وأسعد بن زرارة: “ما جاء بكما الى حينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة”. فإذا بمصعب يخاطبه بكل هدوء ولين ورجاحة عقل قائلا: “أو لا تجلس فتستمع؟ فإن رضيت قبلته وان كرهته كففنا عنك ما تكره”. فقال أسيد: “انصفت” فأخذ مصعب يقرأ ويفسر له الاسلام وسرعان ما انفرجت اسارير اسيد واشرقت مثل نور وضوء الفجر فهتف: “كيف يصنع من يريد ان يدخل الاسلام فما احسن هذا الكلام”، فقال له مصعب: “يطهر بدنه وثوبه ويشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله”. ففعل اسيد ذلك وباسلامه اسلم كل من سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وغيرهما كثير من اهل يثرب، وكل ذلك بفضل مصعب، وهذا ما يجب ان يكون عليه الداعية بحيث يدعو الناس الى الاسلام برفق ووداعة والموعظة الحسنة، وان يكون حليما بهم يصبر ويتحمل اذاهم، ويكون قدوة واسوة طيبة لهم في اخلاقه واقواله وافعاله، لأن الاسلام دين الرحمة والعدل وليس دين التطرف والارهاب.
شهيد أحد
وتمضي سنوات وتقع غزوة بدر حيث ينتصر المسلمون، وبعدها تسعى قريش الى الأخذ بثأرها فتأتي جحافل الشر الى المدينة لمحاربة الاسلام، ويقع اختيار الرسول عليه الصلاة والسلام على مصعب لكي يحمل اللواء في احد، وتدور رحى المعركة فإذا بالسيوف تتعانق والصفوف تتصادم، ويتحقق النصر في بداية المعركة للمسلمين ولكن عندما خالف الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بدأت الفوضى والذعر بل الهزيمة تتغلغل الى صفوف المسلمين وهنا ادرك مصعب حجم الخطر فإذا به يصول ويجول في ميدان المعركة يضرب يمنة ويسرة بكل استبسال، وتروي لنا كتب السيرة المشهد الاخير لحياة مصعب: “حمل مصعب اللواء يوم احد فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضربه على يده اليمنى فقطعها فأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها فحنا على اللواء وضمه بعضديه ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فانفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء”. وهكذا يستشهد هذا الصحابي الجليل، وعندما اراد المسلمون دفن مصعب لم يجدوا ما يكفنونه به الا بردة اذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه واذا غطوا بها رجليه بدا رأسه،