لقد كان مُصعب بن عُمير تطبيقاً عملياً لذلك، وهذا ما عبَّر عنه الرسول ص، وقد رآه مُقبلاً، وعليه إهاب كبش: "انظروا إلى هذا الرجل الذي نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون".
نعم نوَّر الله قلبه، فدفعه إلى الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله.
وخرجه الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول" من حديث ابن عمر: أن رجلاً قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم للموت ذكراً وأحسنهم له استعداداً، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع" قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت" فذكر ص خصالاً ثلاثة، ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان، فإن الإنابة إنما هي أعمال البرِّ، لأن دار الخلود إنما وضعت جزاء لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في موضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك: جزاء بما كانوا يعملون 24 (الواقعة).
فالجنة جزاء الأعمال، فإذا انغمس العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولها عن طلبها، وأقبل على ما يغنيه منها، فاكتفى به وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور، وإذا أحكم أموره بالتقوى، فكان نظاراً في كل أمر، واقفاً متأدباً متثبتاً حذراً يتورع عمَّا يريبه إلى ما لا يريبه، فقد استعد للموت.
فهذه علامتهم في الظاهر، وإنما صار هكذا لرؤية الموت، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب. (10)
5 وفي عصرنا شباب من الترف إلى السجن:
وتمضي هذه السنة حتى تصل إلى عصرنا الحاضر، فنرى شباباً كانوا منعمين وسط أسرهم، يُرمى بهم في غياهب السجون وسط آتون التعذيب عشرات السنين، وما لانت لهم قناة وما وهنوا، وما ضعفوا، وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، ومنهم من خرج بعدما يقرب من عشرين سنة ليواصلوا مسيرتهم في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وليكونوا نماذج حية تحتذى، وليتحقق بهم قول رسول الله ص: "لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" (11).
6 الترف المادي ليس ارتقاء:
إن الرفاه المادي الذي تسعى المجتمعات لتحقيقه، ليس فيه ارتقاء الإنسان وكماله، بقدر ما فيه ترديه وانحداره، لأنه غالباً ما يحول بين الإنسان وبين تحقيق الغاية من وجوده ألا وهو العبادة لله: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون 56 (الذاريات).
وهذا هو الدرس الذي لقنه رسول الله ص للصحابة حين رأى مصعباً، وعليه بردة مرقوعة بفرو، فبكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو فيه اليوم، ثم توجه للصحابة قائلاً: كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة ... ووضعت بين يديه صفحة ... وسترتم بيوتكم ... "؟
فأجاب الصحابة: نحن يومئذ خير .. ولكن الرسول ص يجيبهم، بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ.