تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصوِّر لنا حاله التي صار إليها وشظف العيش الذي تحوَّل إليه بعد أن أسلم سعد ابن مالك فيقول: "كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته، فلا نصبر عليها، فما هو إلا أن هاجرنا، فأصابنا الجوع والشدة، فاستضلعنا بهما، وقوينا عليهما، فأما مُصعب بن عُمير، فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبوين فيما بيننا، فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك، فلقد رأيته، وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به، فما يستطيع أن يمشي، فتعرض القسَّ ثم تحمله على عواتقنا، ولقد رأيتني مرة، قمت أبول من الليل، فسمعت تحت بولي شيئاً يجافيه، فلمست بيدي فإذا قطعة من جلد بعير، فأخذتها، فغسلتها حتى أنعمتها، ثم أحرقتها بالنار، ثم رضضتها فشققت منها ثلاث شقات، فاقتويت بها ثلاثاً.

3 الابتلاء سُنة الدعوات:

الابتلاء سنة الدعوة وطريقة المؤمنين، وسبيل الصالحين، قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) (العنكبوت).

وفي قصة ذلك الصحابي درس للمؤمنين، لا سيما المترفين الذين يعيشون في رغد وترف الحياة ويعلمون أن سلوك طريق الإيمان الصحيح سيحرمهم ليس من كماليات الحياة وترفها، وإنما سيحرمهم من الضرورات، بل وتمسهم البأساء والضراء ... أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى" يقول الرسول والذين آمنوا معه متى" نصر الله ألا إن نصر الله قريب 214 (البقرة:214).

والمسلم أمام ذلك يصبر ويحتسب، ويتطلع إلى ما عند الله يقيناً منه أن الدنيا إلى زوال، وما فيها إلى فناء، قال تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق (النحل:96).

وهذا الصحابي الجليل ما إن يبصره أهله وهو يصلي حتى يحبسوه، مما اضطره إلى أن يترك الوطن ويهاجر إلى الحبشة فاراً بدينه، ويُحرمُ من النعيم الذي كان يحيا فيه، حتى إن جلده ليتقطع من شدة ما لقي، ويأكل الخشن من الطعام إن وجد، ويلبس الغليظ من الثياب وقد رقع، وهو الفتى المترف المنعم بين أبوين يحبانه ويغذوانه بأطيب الطعام والشراب، بل ويعطرانه بأحسن الطيب حتى إن رسول الله ص ليقول في حقه: "وكان أعطر أهل مكة ... وما رأيت بمكة أحسن لمة، ولا أنعم نعمة من مُصعب بن عُمير".

هذا الشاب يتحول من الترف إلى الشظف، ومن الأمن إلى الخوف، وهو ثابت على العهد، وما بدل ولا غير ... وهكذا يكون المؤمن الصادق الإيمان الذي وجد حلاوة الإيمان وذاقها وتتحقق فيه هذه الصفة.

قال رسول الله ص: "ثلاثة من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار" (9).

4 أثر نور الإيمان على المسلم:

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٤١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٤١٠