حياة الجد، والزهد، والشظف، بعد أن دخل في دين الله تعالى، ليكون أول سفير في الإسلام، ومن أوائل من هاجروا إلى الحبشة ثم مكة فالمدينة.
هذه نظرات نلقيها في حياة هذا الصحابي الجليل:
عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثني من سَمَعَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إنا لجلوس مع رسول اله ص في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ص بكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو فيه اليوم، ثم قال رسول الله ص: "كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة، ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منَّا اليوم، نتفرغ للعبادة، ونكفي المؤنة. فقال رسول الله ص: أنتم اليوم خير منكم يومئذ. (1)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: نظر النبي ص إلى مصعب بن عمير مُقبلاً وعليه إهاب كبش قد تنطق به. فقال النبي ص: "انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ماترون" (2).
1 التعريف:
هو مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي بن كلاب ابن مرة القرشي العبدري، وكنيته أبوعبدالله.
كان من فُضلاء الصحابة وخيارهم، ومن السابقين إلى الإسلام، أسلم ورسول الله ص في دار الأرقم، وكتم إسلامه، خوفاً من أمه وقومه، وكان يختلف إلى رسول الله ص سراً، فبصر به عثمان بن طلحة العبدري يصلي، فأعلم أهله وأمه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوساً إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة، وعاد من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى، ليعلِّم الناس القرآن ويصلي بهم ... (3)
وهو أول من أقام الجمعة بالمدينة، وقد آخى الرسول ص بينه وبين أبي أيوب. (4)
يقول عنه صاحب الحلية: المحب القاري، المستشهد بأحد، كان أول الدعاة، وسيد التقاة، سبق الركب، وقضى النحب، ورغب عن التتريف والتسويف، وغلب عليه الحنين والتخويف. (5)
2 من الترف إلى الشظف:
كان قبل أن يسلم يعيش في رغد وترف، وينعم بمتع الحياة من ملبس ومأكل ومشرب وأمن من أن تمتد إليه يد بأي أذى، لكنه ما إن أسلم، وخالطت حلاوة الإيمان قلبه حتى تبدَّل حاله، من شبع إلى جوع، ومن الملبس اللين الناعم إلى غليظ الثياب وخشنها، ومن أمن إلى خوف، ويرسم لنا هذا الأثر حاله قبل أن يسلم فيقول الواقدي: كان مصعب بن عُمير فتى مكة شباباً وجمالاً وسبيباً "السبيبة: الثوب الرقيق"، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان أعطر أهل مكة، وكان رسول الله ص يذكره ويقول: "ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أنعم نعمة من مُعصب ابن عُمير".
واللمة من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين. (6)