تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام، فأسلم سراً خوفاً من أمه وقومه فصدق منذ اللحظة الأولى، وتنكر لطموحاته القديمة التي ما كانت تتعدى حياة البهائم السائمة، ونذر نفسه لخدمة الدين، ومصالح المسلمين، ووضع نفسه رهن إشارة إمام المتقين صلى الله عليه وسلم فهاجر إلى الحبشة، وترك الترفه والنعيم، وانقلب حاله تماماً، واختلفت سيرته وصار الشباب من أصحابه يعجبون من مظاهر الجد التي ظهرت عليه، والوقار الذي بدأ يكسو حياته كلها، وحاولت أمه المشفقة أن تصل إلى ما في نفسه فلم تتمكن، غير أنها لمحت في وجهه آثار تفكير عميق، وعزم صارم، وطمأنينة غريبة، حولت عبثه ومجونه إلى حكمة وتعقل ووقار.

لقد أضحى في عالم غير عالمهم، وفي حياة غير تلك التي تعودوها، ولقد ودعهم إلى الأبد! فليس منهم اليوم، وليسوا منه، لقد أسلم، وعرف طريقه، وأنهى قصة الصراع المحتدم في نفسه بين فطرته التي تفتحت للحق، ورأت فيه روحها وأملها وطمأنينتها، ومصيرها، وبين الجاهلية الصاخبة المتناقضة الهابطة، التي تخيم على المجتمع بأسره، وهاجر إلى الحبشة، ثم عاد لينتدبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعظم مهمة جلبت له شرف الدنيا والآخرة، لقد طلب الأنصار من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلا يفقههم في الدين ويُقرئهم القرآن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشاب الذي صار يعرف كيف يحمل الأمانة، ويتحمل المسئولية، ويعمل من أجل الدين وهناك نزل على أسعد بن زرارة، وعرف بينهم بالمقرئ، وأقام في بيته يدعوا الناس إلى الإسلام حتى لم تبق من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، ولقد كان يأتيه الرجل من أشراف يثرب وزعمائها، كأسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ، وغيرهما، فيقول له أسعد بن زرارة، هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، فيقف الرجل عليهما ويغلظ لهما القول، فيقول له: أتجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهت كف عنك ما تكره؟ فيقول له: أنصفت! فما هي إلا لحظات يكلمه فيها بالإسلام ويتلو عليه القرآن إلا ويعرف الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، ثم يذهب فيأتي بمن وراءه!.

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شرفه النبي صلى الله عليه وسلم بحمل لواء المسلمين يوم بدر، وأعز الله المسلمين، ثم عاد فشرفه يوم أحد بحمل اللواء، ولما انكشف المسلمون ثبت رضى الله وأبلى بلاء حسناً، وقاتل قتال الأبطال دفاعاً عن عقيدته وحميت المعركة وتدافع المشركون نحو اللواء، يريدون أن يسقطوه ليرفعوا لواءهم، وليثبتوا أن الدائرة لهم، لكنه استبسل وظل ينافح بسيفه وجسده، وأشاع المشركون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فلم يفتَّ ذلك من عضده، فأقبل عليه ابن أبي قمئة فضرب يده اليمنى فقطعها، فجعل يهتف ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] ثم أخذ اللواء بيده اليسرى حتى لا يقع، فضرب اللعين يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمه إلى صدره بعضديه ليبقى اللواء مرتفعا رغم الدماء والأشلاء وهو يقول (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) ثم حمل عليه ابن أبي قمئة للمرة الثالثة بالرمح فأنفذه ليصدق قول الشاعر:

صابر الصبر فاستجار به الصبر وقال الصبور للصبرصبرا

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٤٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٤٠٧