ونشبت معركة رهيبة واحتدم القتال، وكان النصر أول الأمر للمسلمين، ولكن سرعان ما تحول النصر إلى هزيمة لما خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:، ونزلوا من فوق الجبل يجمعون الغنائم، وأخذ المشركون يقتلون المسلمين، وبدأت صفوف المسلمين تتمزق.
وركز أعداء الإسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذوا يتعقبونه، فأدرك مصعب هذا الخطر، وصاح مكبرًا، ومضى يجول ويصول، وهمه أن يلفت أنظار الأعداء إليه؛ ليشغلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:، وتجمع حوله الأعداء، فضرب أحدهم يده اليمنى فقطعها، فحمل مصعب اللواء بيده اليسرى، فضرب يده اليسرى فقطعها، فضم مصعب اللواء إلى صدره بعضديه، وهو يقول: وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل، فضربه أعداء الله ضربة ثالثة فقتلوه، واستشهد مصعب.
وبعد انتهاء المعركة جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتفقدون أرض المعركة، ويودِّعون شهداءها، وعند جثمان مصعب سالت الدموع وفيرة غزيرة، ولم يجدوا شيئًا يكفنونه فيه إلا ثوبه القصير، إذا غطوا به رأسه انكشفت رجلاه، وإذا وضعوه على رجليه ظهرت رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر (نبات له رائحة طيبة)) [البخاري].
ومضى مصعب إلى رحاب الله سبحانه، وصدق فيه قول الله تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ [الأحزاب: 32]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى شهداء أحد: (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فوالذي نفسي بيده لا يسلِّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه) [الحاكم والبيهقي].
===============
مصعب بن عمير
فارس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتب التاريخ قصته بماء العيون، حق على كل شاب من شباب المسلمين أن يطالع سيرته، ويتأمل مواقفه.
نشأ مترفاً مدللا منعماً، لأبوين غنيين، حسيبين، نسيبين، قريشيين، عرفته نوادى مكة بلياليها المقمرة، وسيماً متأنقا، مختالاً متألقاً، ضاحكاً متبختراً، منعماً متعطراً، يأكل ويشرب، ويلهو ويلعب، يبحث عن مواطن اللذة، وأسباب النعيم، يدفعه إلى ذلك دفعا بيئة لاهية عابثة، وعادات ماجنة، وأعراف واهية، وأبوان يتصديان لكل ما يعكر لذته، ويعوق شهوته.
وبينما هو على ذلك، سمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كانت تمثل محضن المسلمين في أول البعثة، ومنطلق الدعوة، ومراكز التربية، ووجد هناك أخلاطا عجيبة! لم تجمعهم عصبية معينة، ولا ألفت بينهم مصلحة من مصالح الدنيا، ولا جاءت بهم شهوة أو لذة من لذاتها، ما الذي جمع أبا بكر وعثمان وطلحة، مع بلال وعمار وصهيب؟! لاشك أن لهؤلاء طموحات أخرى، وأهدافا مغايرة، وآمالاً مختلفة، وتطلعات بعيدة بحيث يصعب عليه إدراكها، لقد أخذته روعة الإيمان حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى