تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي قد لا يكون صواباً فإن رأي الجماعة خير من رأي الواحد لأنه يأتي بعد نظر ودراسة وتفكر في الأمر وعواقبه. ومن ثم تضمن الأمة أكبر قدر من إصابة الحق، قال ابن عطية: الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب (9).

وقد قال تعالى مثنياً على المؤمنين ومعدداً بعض صفاتهم: ((والَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) [الشورى/38].

قال القرطبي عند تفسير هذه الآية: كان الأنصار قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملوا عليه فمدحهم الله به. ونقل عن الحسن البصري أنه قال: انهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون فمدحوا باتفاق كلمتهم (10).

وقال تعالى مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ في الأَمْرِ)) [آل عمران:159].

أخرج ابن أبى حاتم بسند حسن -كما قال الحافظ في الفتح (11) عن الحسن قال: قد علم أنه ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده.

فالشورى مشاركة في المسئولية وضمانة من الانحراف ولهذا بوب البخاري رحمه الله في صحيحه بهاتين الآيتين باباً في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (12).

وهذا فقه عميق ونظر دقيق من البخاري رحمه الله لأهمية الشورى وكون العمل بها اعتصام بالكتاب والسنة وبعد عن الانحراف والبدعة، مما أحوج دعاة الإسلام اليوم إلى تدبره وتفهمه لتسلم دعوتهم من القرارات العشوائية، والاتجاهات الفردية. وقد وردت الآثار عن الأئمة في مدح الشورى وبيان فضائلها. قال الحسن البصري: ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم، وفي لفظ: إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع (13).

وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط!! إذا حزبني أمر شاورت قومي فعملت الذي يرون فإن أصبت فهم المصيبون وان أخطأت فهم المخطئون (14).

وقال البخاري: كان الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم "يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره" (15).

وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، ومسار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا (16).

ولقد كانت سيرة رسول صلى الله عليه وسلم وخلافة الخلفاء الراشدين من بعده تطبيق واقعي لمبدأ الشورى، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأتيه الوحي من الله يسدده يصفه أبو هريرة رضي الله عنه بقوله. ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم (17).

وقد شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمور العامة كما في القتال يوم بدر، وفي أسرى بدر وفى أحد والخندق والحديبية بل حتى في الأمور الخاصة، كما في قصة حادثة الإفك.

أما الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم جميعاً فقد وقعت منهم في خلافتهم أمور كثيرة توضح التزامهم بهذا المنهج الشوري منها: تشاورهم في اختيار الخليفة، ومنها

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٣٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٣٦٢