وذلك أن التفاضل بين البشر قوامه الميزان الذي قرره الله في كتابه. قال تعالى: ((إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات/13]،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى «(1).
والأدلة الواقعية والتاريخية على سيادة هذا المبدأ في عصر الخلفاء الراشدين أكثر من أن تحصى، فهذا الخليفة الأول أبي بكر الصديق يطلب في أول خطبة له من الرعية أن تقوّم ما ترى فيه من خطاً أو اعوجاج (2).
وهذا عمر بن الخطاب يتقاضى وهو خليفة مع أبي بن كعب الأنصاري عند قاض المدينة في عهده زيد بن ثابت، فيأتي عمر وأبي ابن كعب إلى مجلس القضاء، ويقول زيد لعمر: لو طلبتني يا أمير المؤمنين لأحضر عندك. فيرد عليه عمر: مقرراً قاعدة مهمة من قواعد التقاضي وهي قاعدة المساواة: في بيته يؤتى الحكم.
ثم يحاول زيد-من باب الإكرام للخليفة-أن يدني مجلس عمر، فيأبى عمر إلا أن يجلس مع خصمه على قدم المساواة ويقول لزيد: هذا أول الجور منك.
وبعد أن يدلى كل من الخصمين بحجته، يحكم زيد باليمين على عمر ثم يطلب من أبى بن كعب أن يعفى أمير المؤمنين من اليمين لكن عمر أصر على تنفيذ ذلك، فيحلف كما حكم القاضي، وبعد أن استحق الأرض المتنازع عليها قضاء وهبها عمر لأبي بن كعب (3).
ومرة جاء رجل من المسلمين فقال لعمر: اتق الله، فقال أحد الحاضرين: أتقول ذلك لأمير المؤمنين، فرد عليه عمر بقوله: دعه يقلها فلا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم (4).
ومن مظاهر المساواة والعدل توزيع الفيء وأخماس الغنائم على كافة المسلمين فإن عمر رضي الله عنه لما دون ديوان العطاء جعل لكل مسلم حق في ذلك العطاء حتى المواليد، فبمجرد ولادة طفل لأحد المسلمين يسجل أسمه في الديوان ويفرض له عطاؤه وكان عمر يقول: لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه دون أن يسعى لطلبه (5). ويقول أيضاً: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، ووالله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال نصيب، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله (6).
وقد واسى رضي الله عنه الناس بنفسه في عام الرمادة فامتنع عن أكل اللحم والسمن حتى توفر ذلك لعامة الناس ومضت أزمة المجاعة وجاءهم الفرج من الله.
يقول أنس رضي الله عنه: غلا الطعام بالمدينة فجعل عمر. رضى الله عنه يأكل الشعير وجعل بطنه يصوّت فضرب بيده على بطنه وقال: والله مما هو إلا ما ترى حتى يوسع الله على المسلمين (7).
وعن طاووس قال: جدب على عهد عمر فما أكل سمناً ولاسمينا حتى أخصب الناس (8).
4 - سيادة مبدأ الشورى قاعدة للتعامل بين الحاكم والمحكوم:
مبدأ الشورى من المبادئ الإسلامية الهامة التي توفر الأمن والطمأنينة للأفراد والاستقرار السياسي للدولة، ويؤدي إلى إشاعة ء المحبة وبث روح التعاون والتناصح بين الحاكم والرعية، وهو ضروري حتى لا ينفرد الحاكم بالأمر والرأي